اليمن يعود إلى واجهة التصعيد: معارك الداخل تمتد إلى الإقليم
يشهد اليمن منذ أيام واحدة من أخطر موجات التصعيد العسكري منذ سنوات، بعدما عادت المواجهات بين القوات التابعة للحكومة اليمنية وجماعة الحوثيين إلى مستويات مرتفعة، بالتزامن مع اتساع رقعة التوتر لتصل تداعياتها إلى السعودية والبحر الأحمر. ويأتي ذلك بعد فترة من الهدوء النسبي أعقبت الهدنة التي دخلت حيز التنفيذ عام 2022، والتي ساهمت في خفض مستوى العمليات العسكرية بصورة كبيرة، لكنها لم تنهِ جذور الصراع.
تصعيد واسع على جبهات عدة
بدأت التطورات الأخيرة مع تحركات عسكرية كبيرة للحوثيين في غرب اليمن، ولا سيما في محافظتي تعز والحديدة، في محاولة لتعزيز مواقعهم باتجاه مناطق قريبة من مدينة المخا وباب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وفي المقابل، أعلنت القوات الحكومية اليمنية تحقيق تقدم في عدة جبهات، من بينها الجوف والبيضاء وتعز والحديدة. كما استخدمت الحكومة اليمنية قدراتها الجوية في تنفيذ ضربات ضد مواقع تابعة للحوثيين، في تطور يمثل تحولاً مهماً مقارنة بالسنوات السابقة التي كان فيها الغطاء الجوي للقوات المناهضة للحوثيين يعتمد بدرجة كبيرة على التحالف الذي تقوده السعودية.
وتشير التقارير إلى أن المعارك الأخيرة أسفرت عن سقوط أكثر من مئة قتيل خلال أيام، فيما تحدثت تقارير أخرى عن تجاوز عدد القتلى 300 شخص مع استمرار العمليات العسكرية، وهو ما يعكس حجم التصعيد، وإن كانت الأرقام الدقيقة لا تزال موضع اختلاف بين المصادر.
باب المندب في قلب المعركة
لا تقتصر أهمية المعارك الحالية على السيطرة على الأراضي اليمنية، فالموقع الجغرافي للقتال يجعل باب المندب أحد أبرز عناصر الصراع.
فالمضيق يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويمثل ممراً أساسياً لحركة التجارة الدولية. ولذلك فإن أي قوة عسكرية تتمكن من توسيع نفوذها في المناطق المطلة عليه تستطيع التأثير بصورة أكبر في حركة الملاحة وفي الحسابات الأمنية الإقليمية.
وتكتسب التطورات أهمية إضافية في ظل الاضطرابات التي تشهدها المنطقة، إذ سبق للحوثيين أن استهدفوا سفناً في البحر الأحمر، فيما أدى التصعيد الإقليمي الأوسع إلى زيادة المخاوف بشأن أمن طرق التجارة والطاقة.
انتقال التصعيد إلى السعودية
لم يبقَ التصعيد محصوراً داخل الأراضي اليمنية. ففي 8 سبتمبر/أيلول، أعلنت السعودية تعرض مدن ومنشآت مدنية واقتصادية ومنشآت للطاقة لهجمات قالت إن الحوثيين نفذوها.
وبحسب السلطات السعودية، أدت الهجمات إلى إصابة 73 مدنياً، فيما تسببت بعض الضربات في اضطرابات مؤقتة في منشآت للطاقة. كما أعلنت الحكومة اليمنية إدانتها للهجمات التي استهدفت الأراضي السعودية والمنشآت المدنية والاقتصادية.
ويكشف هذا التطور عن خطورة المرحلة الحالية؛ فعودة الهجمات العابرة للحدود تعني أن الحرب اليمنية قد تتحول مرة أخرى من صراع داخلي إلى جزء مباشر من مواجهة إقليمية أوسع.
أزمة إنسانية تتفاقم
وبينما تتسابق الأطراف عسكرياً، يدفع المدنيون اليمنيون الثمن الأكبر.
فاليمن لا يزال يعاني واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً في العالم. وتقول الأمم المتحدة إن أكثر من 21 مليون شخص قد يحتاجون إلى المساعدات الإنسانية خلال عام 2026، فيما يعاني نحو 18.3 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد، ويواجه ملايين الأطفال مخاطر سوء التغذية.
وفي المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، حذرت منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي واليونيسف من أن نحو 5 ملايين شخص يواجهون بالفعل مستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي، مع توقع ارتفاع العدد إلى نحو 5.4 مليون خلال الفترة من يونيو إلى سبتمبر 2026.
وهكذا تأتي عودة القتال في وقت يعاني فيه الاقتصاد اليمني من الانهيار، وتراجعت فيه المساعدات الإنسانية، فيما لا تزال قطاعات الصحة والتعليم والخدمات الأساسية تعاني آثار أكثر من عقد من الحرب.
إلى أين يتجه اليمن؟
السؤال الأهم الآن هو ما إذا كان التصعيد الحالي سيبقى في حدود جولة عسكرية محدودة، أم سيتحول إلى حرب واسعة تعيد اليمن إلى سنوات المواجهة الكبرى.
هناك ثلاثة مسارات تبدو مطروحة: الأول، استمرار العمليات العسكرية واتساع رقعة المواجهات؛ والثاني، احتواء التصعيد عبر وساطات إقليمية ودولية والعودة إلى المسار السياسي؛ والثالث، وهو الأخطر، تحول اليمن إلى ساحة إضافية في الصراع الإقليمي الأوسع، بما يجعل أي تسوية داخلية أكثر صعوبة.
وفي جميع الأحوال، فإن السيطرة على مناطق قريبة من باب المندب، واستمرار الهجمات عبر الحدود، وتزايد التدخلات الإقليمية، تجعل التطورات اليمنية ذات آثار تتجاوز حدود البلاد، لتصل إلى أمن البحر الأحمر والطاقة والتجارة الدولية.
اليمن أمام اختبار جديد
بعد سنوات من الحرب والهدوء الهش، يجد اليمن نفسه أمام اختبار جديد. فالمشكلة لم تعد مجرد صراع على مدينة أو جبهة، بل باتت مرتبطة بمستقبل الدولة اليمنية نفسها، وبموازين القوى في جنوب البحر الأحمر، وبالصراع الإقليمي الممتد من الخليج إلى البحر الأحمر.
لكن وسط كل هذه الحسابات العسكرية والسياسية، تبقى الحقيقة الأهم أن استمرار الحرب لن يؤدي إلا إلى تعميق مأساة ملايين اليمنيين.