انسحاب “قسد” وتقدم الجيش العربي السوري وتداعيات الاتفاق

تشهد الساحة السورية تحولات استراتيجية واسعة في أعقاب اشتباكات بين الجيش العربي السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، أدت إلى انسحاب متسارع لقوات “قسد” من مناطق كانت تحت سيطرتها لسنوات، وتوسع نفوذ الدولة في الشمال والشرق السوري.

في تطورات ميدانية بارزة، سيطر الجيش السوري على مدن وبلدات رئيسية كانت تحت نفوذ “قسد”، بما في ذلك مناطق في ريف حلب، الرقة ودير الزور، بعد انسحاب قوات “قسد” إلى ضفّة نهر الفرات.

وقد جاء هذا التراجع بعد اتفاق لوقف إطلاق النار مؤقت بين الحكومة و”قسد”، تلاه انسحابات واسعة شهدتها القوات الكردية في شمال وشرق البلاد، ويُنظر إليه كأكبر تغيير في خارطة السيطرة منذ سنوات.

اتفاق وقف إطلاق النار والتسوية

أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع عن اتفاق وقف إطلاق نار شامل مع “قسد”، يشمل انسحاب القوات الكردية من المناطق التي كانت تحت سيطرتها غرب الفرات، تليه عملية إعادة تموضع وإعادة انتشار للقوات.

الاتفاق، المكوّن من 14 نقطة، يتيح للحكومة السورية السيطرة الإدارية والعسكرية على محافظات الرقة ودير الزور، فيما تُنقل صلاحيات المؤسسات المدنية والعسكرية إلى الدولة تدريجيًا، مع الحفاظ على دور محدود لقوات “قسد” في بعض المناطق.

كما ينص الاتفاق على اندماج أفراد “قسد” في القوات السورية على أساس فردي بعد إجراء فحوصات أمنية، وهو بند أثار جدلاً داخل صفوف “قسد” لعدم اعتباره اندماجًا كاملًا كوحدات منظمة.

الملفات الحسّاسة: المخيمات وسجون “داعش”

شهدت الساعات الماضية انسحاب “قسد” من محيط مخيم الهول في محافظة الحسكة، وهو أكبر مخيم للاجئين المدرجين ضمن فئة الأمن القومي بسبب وجود عائلات أشخاص مشتبه بصلتهم بتنظيم “داعش”.

هذا الانسحاب جاء دون تنسيق معلن من الحكومة السورية أو التحالف الدولي، مما أوجد فراغًا أمنيًا في موقع شديد الحساسية، فيما تتبادل دمشق و”قسد” الاتهامات بشأن إدارة السجون ومخيمات المعتقلين المرتبطين بتنظيم “داعش”.

وزارة الداخلية السورية من جهتها اتهمت “قسد” بإطلاق سراح عدد من معتقلي “داعش” ومن عائلاتهم من داخل السجون والمخيمات، بينما تنفي “قسد” الاتهامات وتحمّل الحكومة مسؤولية تدهور الوضع الأمني في بعض المواقع.

ردود فعل محلية ودولية

على المستوى المحلي، تعتبر هذه التطورات تحوّلًا جذريًا في مسار الحرب السورية، إذ وحدت الجيش السوري السيطرة على مناطق كانت في قبضة “قسد” لسنوات، بعد مرحلة طويلة من التوتر والاشتباكات.

بينما يرى بعض المحللين أن الانسحاب السريع لـ “قسد” كان نتيجة الضغط العسكري والسياسي مع ضعف الدعم الدولي المباشر، ما أدّى إلى فقدان قدرة السيطرة في عدة محافظات.

دوليًا، تستمر التحالفات في التشكل، مع دعوات إلى ضمان حقوق المجتمع الكردي داخل المؤسسات السورية، وفي الوقت نفسه يبرز دور الحكومة في تأكيد وحدة البلاد وسلطة الدولة على كامل التراب السوري.

خريطة السيطرة تبدو متغيرة

بعد الانسحاب، توجد تغييرات واضحة في خارطة السيطرة الميدانية شمال وشرق سوريا، حيث تمتد سيطرة دمشق الآن على مساحات كان “قسد” تديرها بشكل فعّال منذ اتفاقيات سابقة مع التحالف الدولي.

وتتضمن الخريطة الجديدة:

  • انسحاب واسع لـ “قسد” من الرقة ودير الزور وأجزاء من حلب.

  • تعزيز للدولة السورية في المؤسسات المدنية والعسكرية.

  • تبقّى لـ “قسد” مناطق محدودة داخل محافظة الحسكة.

 

الانسحابات الأخيرة لـ “قسد” ليست مجرد تغيير عسكري، بل تحوّل سياسي واستراتيجي عميق يعكس نهاية نمط نفوذ طويل في شمال وشرق سوريا، وإعادة تأسيس الدولة المركزية بعد سنوات من النزاع والتفكك.

التحدّيات المقبلة تشمل:

  • إدارة الفراغ الأمني في المخيمات والسجون الخاصة بمعتقلي “داعش”.

  • دمج عناصر “قسد” داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية السورية.

  • ضمان استقرار اجتماعي في المناطق التي شهدت توترات قبل الانسحاب.

تمثّل التطورات الأخيرة مرحلة جديدة في الحرب السورية، انتقالًا من مرحلة الاشتباك العنيف إلى مرحلة إعادة ترتيبات سياسية وأمنية، قد تعيد رسم مستقبل البلاد وتعيد سيادة الدولة على كامل أراضيها.