ترامب يهدد «المسرّبين» بالسجن وسط تقارير عن تراجع مخزونات الأسلحة الأمريكية

في خضم الحرب الأمريكية على إيران، وجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه أمام ملف حساس يتجاوز ساحات القتال إلى داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية: مخزونات الذخائر والصواريخ الاعتراضية التي تتعرض للاستنزاف بفعل العمليات العسكرية.

ففي 6 أغسطس/آب 2026، هدد ترامب ما وصفهم بـ«المسرّبين» بالسجن، بعد تداول تقارير عن تراجع مخزون الولايات المتحدة من بعض الأسلحة المتقدمة نتيجة الحرب، مؤكدًا في الوقت نفسه أن بلاده تمتلك «كميات هائلة» من الذخائر وأن شركات الدفاع الأمريكية تعمل على زيادة الإنتاج.

وقال ترامب، في منشور على منصة Truth Social، إن الولايات المتحدة لديها مخزونات ضخمة من الذخائر، خصوصًا من أنواع معينة، مضيفًا أن كميات كبيرة أخرى يجري تصنيعها وشحنها إلى الولايات المتحدة عند الحاجة. كما اتهم من يقفون وراء ما وصفها بـ«التصريحات الخيانية» بالتسريب، وقال إن السلطات «تلاحقهم».

غير أن الجدل لم ينشأ فقط من تقارير صحفية، بل استند جزء مهم منه إلى تقديرات منشورة علنًا من مراكز أبحاث أمريكية، ما يجعل القضية أكثر تعقيدًا من مجرد خلاف بين الإدارة والإعلام.

 

استنزاف صواريخ الدفاع الجوي

أحد أبرز التقديرات جاء من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، الذي درس تأثير الحرب على مخزونات الولايات المتحدة من الصواريخ الاعتراضية المتقدمة.

ووفقًا للتحليل الذي أشار إليه التقرير، استهلكت الولايات المتحدة نحو 60% من صواريخ باتريوت المتقدمة، ونحو نصف صواريخ الاعتراض المستخدمة في منظومة ثاد (THAAD).

لكن تقديرات أخرى نقلتها شبكة CNN أشارت إلى أن الاستهلاك الفعلي لصواريخ THAAD ربما بلغ نحو 80% خلال الحرب.

وتكشف هذه الأرقام، بصرف النظر عن الفارق بين التقديرات، عن مشكلة استراتيجية أكبر: معدل استخدام بعض الذخائر الأمريكية خلال الحرب يتجاوز سرعة إنتاجها الحالية.

وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد إعادة ملء المخازن خلال أسابيع أو أشهر؛ إذ إن زيادة القدرة الصناعية لإنتاج بعض الأسلحة المتقدمة تحتاج إلى سنوات، خصوصًا في ظل تعقيد سلاسل الإمداد وارتفاع الطلب على أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ الدقيقة.

 

صواريخ هجومية تحت الضغط

لم يقتصر الحديث عن الاستنزاف على منظومات الدفاع الجوي.

فقد أشارت تقارير أخرى إلى أن الولايات المتحدة استهلكت تقريبًا معظم مخزونها من صواريخ ATACMS وصواريخ Precision Strike Missiles، وهما من الأسلحة التي استُخدمت على نطاق واسع في الضربات الأمريكية على إيران.

وتكتسب هذه الصواريخ أهمية خاصة بسبب استخدامها في ضرب أهداف بعيدة بدقة عالية، ما يجعل انخفاض مخزونها قضية مرتبطة مباشرة بقدرة واشنطن على تنفيذ عمليات عسكرية واسعة النطاق مستقبلًا.

وإذا كانت الولايات المتحدة قادرة على مواصلة التصنيع والتعويض، فإن المشكلة قد تكون قابلة للإدارة على المدى الطويل. لكن التحدي الحقيقي يكمن في الفجوة الزمنية بين الاستهلاك السريع والإنتاج البطيء.

 

ترامب ينفي خلافًا مع هغسيث

وبالتوازي مع أزمة المخزونات، نفى ترامب تقريرًا نشرته صحيفة واشنطن بوست قال إن الرئيس الأمريكي عبّر عن غضبه لوزير الدفاع بيت هغسيث بشأن تراجع مخزونات الذخائر.

وبحسب التقرير، شهد اجتماع حديث لمجلس الوزراء في كامب ديفيد نقاشًا حادًا بشأن القضية، حيث عبّر ترامب عن استيائه من عدم إبلاغه مسبقًا بحجم الاستنزاف، فيما ألقى هغسيث بالمسؤولية على نائبه ستيفن فاينبرغ، متهمًا إياه بعدم التعامل مع المشكلة وعدم ضمان وصول المعلومات إلى الرئيس.

لكن ترامب رفض هذه الرواية بشكل قاطع، واعتبرها «أخبارًا كاذبة» وشائعات «باطلة تمامًا»، مؤكدًا أنه سعيد للغاية بأداء هغسيث.

ولم يكتفِ ترامب بنفي مضمون التقرير، بل وصف ما اعتبره «تسريبات» بأنها عمل «خيانة»، ملوحًا بملاحقة المسؤولين عنها وسجنهم.

 

أزمة المعلومات أم أزمة السلاح؟

تكشف المواجهة الحالية عن جانب آخر من الحرب: المعلومات المتعلقة بقدرات الجيش الأمريكي أصبحت بحد ذاتها قضية أمن قومي وسياسية.

فالإدارة الأمريكية تحاول طمأنة الداخل والخارج إلى أن مخزونها العسكري لا يزال كافيًا لمواصلة العمليات، بينما تعتمد بعض التقارير والتقديرات على بيانات متاحة للعامة لإظهار حجم الذخائر التي استُهلكت.

وتكمن حساسية الملف في أن الاعتراف بانخفاض المخزونات قد يمنح خصوم الولايات المتحدة مؤشرات عن حدود قدرتها على مواصلة حرب طويلة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بصواريخ الدفاع الجوي التي لا يمكن تعويضها بسرعة.

لكن في المقابل، فإن وصف كل المعلومات المتعلقة بالمخزونات بأنها «تسريبات خائنة» يطمس فارقًا مهمًا بين المعلومات السرية المسربة وبين التقديرات المستندة إلى بيانات مفتوحة. فقد أكد تقرير CSIS المشار إليه في المادة أن تقديراته اعتمدت على معلومات متاحة للعامة.

 

الحرب تكشف حدود القوة الأمريكية

تكمن أهمية هذه القضية في أنها تضع القوة العسكرية الأمريكية أمام اختبار مختلف عن الحروب القصيرة التي خاضتها واشنطن خلال العقود الماضية.

فالولايات المتحدة تمتلك قاعدة صناعية عسكرية ضخمة، وقد أعلنت إدارة ترامب عن توسيع مصانع الدفاع وزيادة الإنتاج. لكن امتلاك قدرة صناعية هائلة لا يعني بالضرورة القدرة على تعويض الاستهلاك الفوري لبعض أكثر الأسلحة تطورًا.

والحرب الحالية تقدم مثالًا واضحًا على هذه المفارقة: قد تكون الولايات المتحدة قادرة على إنتاج المزيد من الصواريخ، لكن ليس بالسرعة التي تُستهلك بها خلال حرب واسعة النطاق.

ومن هنا، فإن قضية الذخائر لا تتعلق فقط بحجم المخزون الأمريكي، بل بمدى قدرة واشنطن على خوض حرب طويلة مع الحفاظ في الوقت نفسه على احتياطيات كافية لمواجهة أزمات أو صراعات أخرى محتملة.

 

ما وراء تصريحات ترامب

في نهاية المطاف، يصعب حسم حجم المخزون الأمريكي المتبقي من بعض الأسلحة اعتمادًا على التصريحات السياسية وحدها، خصوصًا أن الأرقام الدقيقة تُعد من المعلومات الحساسة.

لكن المؤشرات التي أوردتها مراكز بحثية وتقارير إعلامية مختلفة تشير إلى وجود ضغط حقيقي على بعض أنواع الذخائر والصواريخ الاعتراضية، حتى لو اختلفت التقديرات حول حجم الاستنزاف.

وبذلك، فإن تهديد ترامب للمسرّبين بالسجن لا ينهي الجدل حول المخزونات الأمريكية، بل ربما يعكس مدى حساسية الملف داخل الإدارة.

فالمسألة في جوهرها ليست فقط: هل تملك الولايات المتحدة ما يكفي من الذخائر الآن؟ بل السؤال الأهم هو: هل تستطيع الصناعة العسكرية الأمريكية تعويض ما تستهلكه الحرب بالسرعة نفسها التي يجري بها استخدامه؟

وهذا السؤال قد يصبح أكثر أهمية كلما طال أمد الحرب واتسعت رقعتها، لأن التفوق العسكري لا يقاس فقط بعدد الأسلحة الموجودة في المخازن، وإنما أيضًا بقدرة الدولة على إنتاجها وتعويضها والحفاظ على احتياطياتها لحرب مقبلة.