تشخيص حالة الجمود الانتخابي في الصومال: تأخير متكرر وأزمة ثقة متصاعدة
يعيش الصومال مرحلة سياسية دقيقة مع اقتراب انتهاء ولايات المؤسسات الدستورية، في وقت تتكرر فيه أنماط التأخير وعدم الحسم التي باتت سمة ملازمة للمسار الانتخابي في البلاد.
لم تعد الانتخابات في الصومال تمثل لحظة انتقال واضحة، بل أصبحت مرتبطة بحالة من الغموض والمساومات المتأخرة، ما يضعف ثقة الشارع ويُرهق بنية النظام السياسي. ومع اقتراب انتهاء ولاية البرلمان في منتصف أبريل 2026، ثم انتهاء ولاية الرئيس في منتصف مايو، يُفترض نظريًا أن تشهد البلاد انتقالًا منظمًا، إلا أن الواقع يشير إلى عكس ذلك.
المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في الخلافات السياسية، فهي أمر متكرر، بل في غياب خطة واضحة ومتفق عليها لإدارة العملية الانتخابية. هذا الفراغ في التخطيط لم يظهر فجأة، بل تراكم عبر سنوات من تأجيل القرارات وترك الملفات الأساسية دون حسم.
في السياق الصومالي، لا تحدث الأزمات بشكل مفاجئ، بل تتطور تدريجيًا. تُؤجل النقاشات، وتُرحل القضايا الخلافية، ويُفترض دائمًا أن الوقت لا يزال متاحًا، إلى أن تصل الأمور إلى لحظة حرجة يصعب فيها التدارك. ما كان ينبغي الاتفاق عليه مبكرًا يتحول إلى نقطة صراع، وما كان يفترض أن يُنجز بهدوء يتم تحت ضغط الوقت.
خلال السنوات الماضية، توفرت فرص لبناء توافق بين الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء، سواء في ما يتعلق بقواعد الانتخابات أو توزيع الأدوار، إلا أن هذه الفرص لم تُستثمر بالشكل المطلوب. ونتيجة لذلك، تتجه البلاد اليوم نحو سيناريو أكثر تعقيدًا، يتمثل في احتمال وجود مسارات انتخابية متوازية، حيث تدّعي أطراف مختلفة الشرعية.
هذا الاحتمال يحمل مخاطر كبيرة، إذ إن انقسام الشرعية يؤدي عادة إلى سلسلة من التداعيات، تشمل إضعاف المؤسسات، وتعقيد المشهد الأمني، وتراجع ثقة الفاعلين الاقتصاديين، فضلًا عن تآكل الثقة العامة في النظام السياسي.
ورغم أن الصومال شهد في السنوات الأخيرة بعض التحسن في الوضع الأمني، فإن هذه المكاسب لم تكن مستقرة دائمًا. فالتقدم الميداني لم يترافق بالقدر الكافي مع تعزيز الحوكمة أو تحسين الخدمات، ما يجعل هذه الإنجازات عرضة للتراجع.
الوضع الاقتصادي يعكس صورة مشابهة؛ إذ يواصل القطاع الخاص أداء دور مهم رغم التحديات، مستفيدًا من عوامل مثل الموقع الجغرافي وحيوية المجتمع. ومع ذلك، فإن غياب الاستقرار السياسي الواضح والبيئة التنظيمية المستقرة يحدّ من قدرة هذه الإمكانات على التحول إلى نمو مستدام.
أما على مستوى الحكم، فقد أصبح التأخير في الاستحقاقات السياسية أمرًا متكررًا، كما عادت الخلافات حول الصلاحيات إلى الواجهة. ولم يعد تمديد الولايات حالة استثنائية، بل تحول في بعض الأحيان إلى ممارسة متكررة، ما يؤثر على مصداقية القواعد الدستورية.
في هذا السياق، لا يُعد الجمود الانتخابي الحالي مسألة تقنية مرتبطة بالانتخابات فقط، بل هو انعكاس لنمط أوسع من تأجيل القرارات الصعبة إلى أن تتحول إلى أزمات ملحة.
ومع اقتراب انتهاء ولايات المؤسسات خلال أسابيع قليلة، تدخل البلاد مرحلة حساسة تتسم بقدر كبير من عدم اليقين. فغياب الوضوح لا يعني فقط تأخير العملية الانتخابية، بل يفتح الباب أمام الارتباك وتداخل الإجراءات، ويعمّق فقدان الثقة في كيفية إدارة المرحلة المقبلة.
في المحصلة، ما يجري اليوم في الصومال هو تراكم لسنوات من التأجيل وعدم الحسم، في لحظة زمنية ضيقة تتطلب وضوحًا لم يتشكل بعد، وسط مخاوف من أن يتحول الاستحقاق الانتخابي إلى عامل إضافي لعدم الاستقرار بدل أن يكون مدخلًا لتنظيمه.