تصريحات السيناتور غراهام المخادعة وجذور التحالف العقائدي الأمريكي الإسرائيلي
في سلسلة من التصريحات المثيرة للجدل خلال زيارته لما يسمى “إسرائيل” في يناير 2026، وصف السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام الصراع الحالي في الشرق الأوسط بأنه “حرب دينية” بامتياز.
غراهام، الذي يُعد أحد أبرز صقور السياسة الخارجية الأمريكية، زعم أن الأشخاص المنتمين لما وصفه بـ “الإسلام المتشدد” من السنة والشيعة على حد سواء، يسعون لإخضاع العالم لإرادتهم. وقد استخدم لغة حادة لوصف خصومه، معتبراً إياهم “مخمورين بدينهم” ومستعدين للقتل “باسم الله”، محذراً من أن هذا الوضع يمثل خطراً وجودياً يتطلب حسماً عسكرياً لا هوادة فيه.
الرؤية الأمريكية: ازدواجية المعايير في “الحرب الدينية”
تتجلى في تصريحات غراهام ازدواجية معايير صارخة تعكس الرؤية الأمريكية السائدة في دوائر المحافظين. فبينما يتم وصم الدوافع الدينية للمسلمين بـ “التطرف” و”الجنون الديني”، تمارس الولايات المتحدة المبدأ نفسه الذي تنتقده في دعمها المطلق لما يسمى “إسرائيل”. هذا الدعم لا يستند فقط إلى المصالح الجيوسياسية، بل يتغذى على عقيدة دينية توراتية ترى في توسع “إسرائيل” وحقها في الأرض “وعداً إلهياً” لا يقبل النقاش.
وقد وصل هذا التحريض إلى مستويات غير مسبوقة عندما دعا غراهام صراحة في مايو 2024 إلى منح “إسرائيل”، “الحق” في استخدام السلاح النووي ضد غزة، مشبهاً الوضع بما فعلته الولايات المتحدة في هيروشيما وناجازاكي لإنهاء الحرب العالمية الثانية، قائلاً: “أعطوا إسرائيل القنابل التي تحتاجها لإنهاء الحرب التي لا تستطيع تحمل خسارتها، وافعلوا كل ما يلزم”.
| وجه المقارنة | النظرة للإسلام المتشدد (حسب غراهام) | النظرة للدعم الديني لإسرائيل |
| الدافع | يُعتبر “تطرفاً” و”إرهاباً” | يُعتبر “حقاً تاريخياً” و”وعداً إلهياً” ورفضه “معاداة للسامية” تستوجب العقاب. |
| الهدف | إخضاع الآخرين للإرادة الدينية | استعادة “أرض الميعاد” وتحقيق النبوءات |
| الوسيلة | القتل باسم الله (مرفوض أمريكياً) | الدفاع عن النفس والتوسع، وحتى التلويح بالخيار النووي (مدعوم أمريكياً) |
التحالف الاستراتيجي: العقيدة البروتستانتية واليهودية
يكمن سر التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” في جذور الصهيونية المسيحية، وهي حركة بروتستانتية (إنجيلية غالباً) تؤمن بأن قيام دولة “إسرائيل” وتوسعها هو تمهيد ضروري لعودة المسيح. هذا التحالف ليس مجرد اتفاق سياسي، بل هو “زواج عقائدي” يقوم على الأسس التالية:
1.مبدأ “مباركة إسرائيل”: يستند البروتستانت الإنجيليون إلى نص في سفر التكوين (12:3) يقول: “وأبارك مباركيك، ولاعنك ألعنه”. هذا النص يحول الدعم السياسي لإسرائيل إلى واجب ديني يضمن “البركة” لأمريكا.
2.الرؤية الأبوكالبسية (نهاية العالم): تؤمن هذه العقيدة بأن تجمع اليهود في فلسطين هو “ساعة الصفر” لبدء أحداث نهاية العالم (هرمجدون). ومن المفارقات أن هذه الرؤية تتوقع في نهايتها فناء أو تحول اليهود، ومع ذلك، ترحب القيادات الصهيونية اليهودية بهذا الدعم لتحقيق مكاسب أرضية وتوسعية فورية.
3.الهوية المشتركة: يتم تصوير “إسرائيل” كـ “معقل للحضارة الغربية” في مواجهة “البربرية الشرقية”، مما يدمج العقيدة الدينية بمفاهيم التفوق الحضاري والعرقي أحياناً.
الدين كأداة جيوسياسية
إن تصريحات غراهام، من وصف الصراع بـ “الحرب الدينية” إلى الدعوة لاستخدام السلاح النووي، ليست مجرد زلات لسان، بل هي تعبير عن تيار عميق في السياسة الأمريكية يستخدم الدين كأداة لتبرير الحروب وتمرير الأجندات التوسعية. فبينما تُتهم الأطراف الإسلامية بـ “تسييس الدين”، تظل الصهيونية المسيحية هي المحرك الخفي والفعال لأقوى قوة عسكرية في العالم، مما يجعل الصراع في جوهره صراع إرادات دينية مغلفة بغطاء سياسي وعسكري، حيث يُبرر “الإبادة” باسم “النبوءة”.
معتز غزوان