جماعة الحوثيين تصعّد ضد القوات المدعومة سعودياً في اليمن.. والرياض تستعد لمرحلة جديدة

 

ضربات في مأرب وحضرموت توقع عشرات القتلى، بالتزامن مع تصاعد الهجمات على السعودية وتوتر الملاحة في البحر الأحمر

تشهد الساحة اليمنية تصعيداً عسكرياً متسارعاً بين جماعة الحوثيين والقوات اليمنية المدعومة من السعودية، في تطور يعيد شبح المواجهة الواسعة إلى البلاد بعد سنوات من الهدوء النسبي.

وأعلنت جماعة الحوثيين، الخميس 6 أغسطس/آب، تنفيذ هجمات استهدفت معسكرات تابعة لـ«قوات الطوارئ» المدعومة سعودياً في محافظتي مأرب وحضرموت شرقي ووسط اليمن. ونقلت وكالة «شينخوا» عن مصدر عسكري في الحكومة اليمنية المدعومة من الرياض أن الهجمات أسفرت عن مقتل 35 مقاتلاً على الأقل، فيما تحدثت الجماعة عن خسائر أكبر في صفوف القوات المستهدفة.

وتُعد «قوات الطوارئ» تشكيلًا عسكرياً حديثاً جرى إنشاؤه بدعم سعودي، ويعمل تحت قيادة القوات المشتركة السعودية، وفق ما أوردته تقارير يمنية. ويشير ذلك إلى أن الرياض لا تكتفي بإدارة الملف اليمني سياسياً، وإنما تعمل أيضاً على إعادة ترتيب أدواتها العسكرية داخل المناطق الخاضعة للحكومة المدعومة منها.

 

تصعيد يتجاوز الجبهة اليمنية

الهجمات الأخيرة تأتي في سياق تصعيد أوسع بدأ يتبلور خلال الأسابيع الماضية. فقد أعلنت جماعة الحوثيين في يوليو/تموز فرض حظر بحري على السفن السعودية، رداً على ما وصفته بالحصار والهجمات السعودية على مناطق سيطرتها، وهو ما فتح جبهة جديدة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

وفي 22 يوليو/تموز، أعلنت الجماعة استهداف ناقلتي نفط سعوديتين في البحر الأحمر، قائلة إنهما خالفتا قرار الحظر البحري الذي أعلنته.

وتصاعد التوتر بعد الضربات التي طالت مطار صنعاء الدولي في يوليو، والتي قالت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً إنها نفذتها لمنع طائرة إيرانية من الهبوط في العاصمة، بينما حمّلت جماعة الحوثيين السعودية مسؤولية الهجوم. وردت الجماعة بهجمات صاروخية ومسيّرة على أهداف داخل السعودية.

 

من مأرب وحضرموت إلى العمق السعودي

ولم يعد التصعيد محصوراً في خطوط التماس داخل اليمن. فقد شهدت الأيام الأخيرة هجمات نسبت إلى جماعة الحوثيين على أهداف في جنوب السعودية، من بينها منطقة نجران، وسط تقارير عن سقوط إصابات بين المدنيين.

وقالت مصادر سعودية، بحسب «رويترز»، إن الرياض تتوقع هجمات منسقة من قوى حليفة لإيران من اتجاهيها الشمالي والجنوبي، مع اعتبار جماعة الحوثيين أحد مصادر التهديد الرئيسية من جهة اليمن. وأضافت أن المخاوف السعودية تتركز على استهداف منشآت حيوية واقتصادية، بما فيها مرافق الطاقة والموانئ والمطارات.

وتشير هذه التطورات إلى أن الصراع اليمني بدأ يتداخل بصورة أكبر مع المواجهة الإقليمية الأوسع، بعدما أصبحت السعودية تواجه ضغوطاً من أكثر من اتجاه، في وقت تسعى فيه الرياض إلى احتواء التصعيد دبلوماسياً.

 

الرياض بين التهدئة والاستعداد للحرب

وبالتوازي مع التصعيد العسكري، تتحرك السعودية في مسارين متوازيين: محاولة احتواء المواجهة عبر الدبلوماسية، والاستعداد لاحتمال توسعها عسكرياً.

وتشير التقارير إلى أن الرياض تدرس خيارات تصعيدية إذا فشلت الجهود السياسية، في حين تواجه أي عملية عسكرية واسعة حسابات معقدة، نظراً لاحتمال امتداد المواجهة إلى البحر الأحمر وباب المندب، وما قد يترتب على ذلك من تأثيرات على حركة التجارة والطاقة.

وتزداد حساسية الموقف بسبب أهمية باب المندب باعتباره ممراً رئيسياً للتجارة الدولية، فيما سبق أن حذرت تقارير من أن استمرار التهديدات للسفن السعودية قد يؤثر في حركة صادرات النفط عبر البحر الأحمر.

 

تطور إقليمي يزيد الضغط على السعودية

وفي تطور لافت، وقعت السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس/آب اتفاق دفاع مشترك ينص على اعتبار أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداءً عليها جميعاً، في خطوة تأتي بالتزامن مع تصاعد التهديدات الإقليمية، ومنها التصعيد مع جماعة الحوثيين في اليمن.

ويأتي ذلك بينما تتحدث تقارير عن استعداد سعودي لخيارات عسكرية أكثر قوة في اليمن، في الوقت الذي تحاول فيه الرياض تجنب الانزلاق إلى حرب مفتوحة قد تعيد البلاد إلى سنوات المواجهة المباشرة.

 

اليمن أمام اختبار جديد

وبذلك، لا تبدو ضربات مأرب وحضرموت حدثاً منفصلاً، بل جزءاً من مسار تصعيد متدرج بدأ بالهجمات على مطار صنعاء، ثم الانتقال إلى استهداف المطارات والأهداف داخل السعودية، وصولاً إلى إعلان الحظر البحري واستهداف السفن السعودية، وأخيراً ضرب القوات التي تعمل تحت المظلة السعودية داخل اليمن.

والأخطر أن التصعيد يجري في بيئة إقليمية شديدة التوتر، ما يجعل أي مواجهة واسعة في اليمن قابلة للامتداد إلى البحر الأحمر وباب المندب والمنشآت الحيوية السعودية.

وفي المقابل، فإن استمرار الضغوط العسكرية لا يعني بالضرورة أن قرار الحرب الشاملة قد اتُخذ؛ فالمؤشرات المتاحة تظهر أن الرياض ما تزال تحاول إبقاء باب التفاوض مفتوحاً، لكنها في الوقت نفسه تعيد ترتيب قواتها وتستعد لسيناريو أكثر صعوبة إذا فشلت مساعي التهدئة.

اليمن يقف مجدداً أمام منعطف خطير؛ فبعد سنوات من الهدوء النسبي، عادت خطوط المواجهة إلى الاشتعال، لكن هذه المرة ضمن صراع إقليمي أوسع يجعل كلفة أي تصعيد جديد أكبر بكثير من حدود الساحة اليمنية.