حرب الشرق الأوسط تدفع الصومال إلى صدمة اقتصادية قاسية: تضاعف الوقود وتراجع الواردات واختفاء الشلن يثقل كاهل ملايين الصوماليين
أعدّت منصة »ذا نيو هيومانيتيريان « (The New Humanitarian)، وهي وسيلة إعلامية مقرها سويسرا، تقريرًا تناول التداعيات الواسعة للحرب الدائرة في الشرق الأوسط على حياة الصوماليين، ولا سيما الفئات الفقيرة ومحدودة الدخل في المدن الكبرى.
وحذّر التقرير من أن الصومال يواجه، منذ اندلاع الحرب في فبراير/شباط بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، صدمة اقتصادية شديدة ومتعددة الأبعاد، امتدت آثارها إلى الوقود والغذاء والنقل والتجارة وقيمة العملة المحلية.
أسعار الوقود تقفز بأكثر من 100%
خلال أيام قليلة من اندلاع الصراع، ارتفعت أسعار الوقود في العاصمة مقديشو بأكثر من 100%، وسرعان ما انعكست هذه الزيادة على أسعار السلع الاستهلاكية والخدمات التي يحتاج إليها السكان يوميًا.
وأدرج تقييم أجراه صندوق النقد الدولي لتداعيات الحرب على المنطقة الصومالَ ضمن الدول منخفضة الدخل الأكثر عرضة، من الناحية الهيكلية، لاضطرابات سلاسل الإمداد.
وشملت قائمة الدول شديدة التأثر كذلك السودان واليمن وأفغانستان، نظرًا إلى افتقارها إلى الاحتياطيات النقدية والقدرات المالية الكافية لتخفيف آثار ارتفاع أسعار الوقود والغذاء والمدخلات الزراعية، وهي زيادات تؤثر مباشرة في الأسر والأنشطة التجارية.
وأقرّ مسؤول في وزارة المالية الصومالية، في حديثه إلى «ذا نيو هيومانيتيريان»، بأن الحكومة لا تمتلك موارد أو أدوات كافية لمواجهة هذه الصدمة الاقتصادية أو الحد من تداعياتها.
اعتماد شبه كامل على الواردات الخارجية
يستورد الصومال من الخارج نحو 90% من السلع التي يستهلكها، وفقًا للتقرير. ويمر جزء كبير من هذه التجارة عبر المراكز اللوجستية والتجارية الكبرى في الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عُمان، قبل تحميل البضائع على سفن أصغر تتجه إلى الموانئ الصومالية، ومن بينها بربرة وبوصاصو ومقديشو.
وتؤدي أي اضطرابات في طرق التجارة الخليجية أو ارتفاع في تكاليف الشحن والوقود إلى انتقال الأزمة سريعًا نحو الأسواق الصومالية، بسبب ضعف الإنتاج المحلي واعتماد البلاد الكبير على الاستيراد.
وقالت ماكو شيخ إسحاق، وهي امرأة تبيع الوجبات الخفيفة في مديرية طركينلي بمقديشو، إن هدفها خلال هذه الأيام أصبح يقتصر على تحصيل مبلغ بسيط يكفي لتغطية الاحتياجات اليومية لأسرتها.
انخفاض الواردات الغذائية بنسبة 40%
أفادت هيئة الجمارك الفيدرالية الصومالية بأن واردات المواد الغذائية انخفضت بنسبة 40% بين فبراير/شباط ومارس/آذار، بالتزامن مع تراجع كبير في أعداد السفن الواصلة إلى موانئ البلاد.
وسجّل ميناء بوصاصو، الذي يُعد من أكثر الموانئ الصومالية نشاطًا في استقبال البضائع القادمة من الخليج، أكبر نسبة تراجع؛ إذ انخفض عدد السفن التي رست فيه بنحو 59%.
وعزا التقرير جزءًا من هذا الانخفاض إلى التداعيات المباشرة للحرب في الخليج، ومن بينها إغلاق مضيق هرمز واضطراب حركة الملاحة والتجارة البحرية.
التضخم يسجل أعلى مستوياته الحديثة
نتيجة هذه التطورات، بلغ معدل التضخم السنوي في الصومال خلال مارس/آذار 2026 نحو 9.23%، وهو أعلى مستوى يسجل في التاريخ الاقتصادي الحديث للبلاد.
وانعكس ارتفاع الأسعار سريعًا على الأنشطة الصغيرة التي تعتمد عليها الأسر الفقيرة لتأمين احتياجاتها اليومية.
وكانت ماكو شيخ إسحاق تُعد كل صباح، بالتعاون مع مجموعة من النساء، ما بين 200 و300 قطعة من السمبوسة وغيرها من الأطعمة الخفيفة المقلية، ثم تبيعها خلال ساعات بعد الظهر.
أما الآن، فقد انخفض إنتاجها إلى نصف تلك الكمية تقريبًا، ومع ذلك تبقى لديها في كثير من الأحيان وجبات لم تجد من يشتريها.
وأوضحت ماكو أن نشاطها يعتمد أساسًا على الدقيق والسكر، وقد ارتفعت أسعار المادتين معًا؛ ما أجبرها على خفض الإنتاج. وفي المقابل، قلل الزبائن مشترياتهم بسبب تراجع دخولهم وفقدانهم جزءًا من قدرتهم الشرائية، فأصبحت تعمل فقط من أجل تحصيل مبلغ يغطي احتياجات الأسرة في الليلة نفسها.
ارتفاع السكر والأرز وتضاعف سعر غاز الطهي
لم يعد أمام تجار الجملة في مقديشو خيار كبير سوى تمرير الزيادة في التكاليف إلى المستهلكين برفع أسعار البضائع.
وقال أحد تجار الجملة، الذي يربط نشاطه بين السلع الواصلة إلى ميناء مقديشو والمتاجر الصغيرة المنتشرة في العاصمة، إن سعر كيس السكر البالغ وزنه 50 كيلوغرامًا ارتفع من 28 دولارًا إلى نحو 34 دولارًا.
كما ارتفع سعر الأرز من 40 دولارًا إلى نحو 53 دولارًا، بينما تضاعفت أسعار أسطوانات الغاز المستخدمة في الطهي.
ولا تقتصر تداعيات اضطراب التجارة الخليجية على المواد الغذائية الأساسية، بل تشمل عددًا كبيرًا من السلع اليومية الأخرى التي يستخدمها الصوماليون.
وقال صالح حسن، صاحب متجر للمواد الغذائية في مديرية ياقشيد بمقديشو، إن الناس يتحدثون غالبًا عن أسعار الطعام، لكنهم يغفلون منتجات ضرورية أخرى تمر بدورها عبر الخليج، مثل دفاتر الكتابة والشامبو والصابون والتوابل والشوفان ومسحوق الحليب.
وأشار صالح إلى أن أعدادًا كبيرة من سكان مقديشو تعتمد على العمل اليومي، وكانت تعاني الفقر وضعف القدرة الشرائية قبل الأزمة، ثم ازدادت أوضاعها سوءًا بعد الارتفاع الجديد في الأسعار.
سائقو التكتوك يحتجون عند كيلومتر 4
تعتمد حركة النقل في مقديشو بصورة كبيرة على مركبات التكتوك ذات العجلات الثلاث. وبعد نحو أسبوعين من اندلاع الحرب مع إيران، تجمع عشرات السائقين عند تقاطع كيلومتر 4 وسط العاصمة للاحتجاج على الزيادة الحادة في أسعار الوقود.
ويتحمل السائقون عادة تكاليف استئجار مركبات التكتوك، إضافة إلى الضرائب الشهرية المفروضة عليهم ونفقات شراء الوقود، وهو ما يقلص الجزء المتبقي من دخلهم لإعالة أسرهم.
ومن بين هؤلاء ياسين، وهو شاب يبلغ 22 عامًا وأب لطفلين، عمل سائقًا للباجاج طوال ثلاث سنوات.
وقال ياسين إنه كان يعود إلى منزله عادة بدخل يومي يتراوح بين 4 و6 دولارات. وكان يستطيع سابقًا تغطية نفقات طعام أسرته الشهرية بمبلغ يتراوح بين 80 و100 دولار.
لكن ارتفاع المصروفات أجبره على استخدام مدخراته لتغطية الاحتياجات اليومية، في وقت لا يعرف فيه المدة التي ستتمكن خلالها أسرته من مواصلة العيش بهذه الطريقة.
هيمنة الدولار وتسارع اختفاء الشلن الصومالي
أوضح تقرير «ذا نيو هيومانيتيريان» أن الاقتصاد الصومالي يعتمد منذ مدة طويلة على الدولار الأمريكي، غير أن هذا الاعتماد تعمق بصورة كبيرة مطلع العام الجاري مع تسارع اختفاء الشلن الصومالي من الأسواق.
وفي أبريل/نيسان، بدأ تجار في مقديشو رفض قبول الشلن الصومالي أو صرفه، رغم أن الأوراق النقدية المتداولة منه ظلت موجودة في الأسواق منذ انهيار الحكومة الصومالية في تسعينيات القرن الماضي، ولم تُطبع عملة وطنية جديدة منذ ذلك الحين.
ولا يزال كثير من التجار يرفضون التعامل بالشلن، ما أضاف عبئًا اقتصاديًا جديدًا على الفئات الأكثر ضعفًا في العاصمة، وفاقم الظروف المعيشية الصعبة التي كانت تعانيها أصلًا.
وقال شريف نور، وهو ميكانيكي تحدث إلى «ذا نيو هيومانيتيريان»، إن الدولار لا يتناسب مع المعاملات اليومية الصغيرة؛ لأن فئاته وقيمته تجعل شراء السلع الرخيصة أو دفع مبالغ محدودة أمرًا أكثر صعوبة.
تسعير السلع الصغيرة بالدولار يرفع تكلفتها
قال محمد علي حسين، المقيم في شمال مقديشو، إن التخلي عن الشلن أدى إلى استبدال الأسعار الصغيرة بمبالغ أعلى مقوّمة بالدولار.
وأوضح أن سلعة بسيطة كان سعرها في السابق نحو 1,300 شلن صومالي قد يُطلب مقابلها الآن 50 سنتًا، وهو ما يزيد تكلفة المنتجات التي يستخدمها الناس يوميًا.
وأضاف أن الصوماليين يتحملون أصلًا معظم نفقات حياتهم من أموالهم الخاصة؛ فالحكومة لا توفر لهم بصورة كافية خدمات الصحة أو التعليم، ولذلك يمكن أن تجعل أي زيادة بسيطة في الأسعار الحياة أكثر مشقة.
أزمة الدولار تضعف مساعدة المحتاجين
أشار محمد علي حسين إلى أن كثيرًا من سكان مقديشو يعتمدون على مساعدات الآخرين وتبرعاتهم عندما يعجزون عن تأمين ما يكفي لتغطية نفقاتهم.
لكن مع استمرار تسعير السلع بالدولار واختفاء الفئات النقدية الصغيرة، أصبح من الصعب منح المحتاجين مبالغ محدودة أو بضعة سنتات فقط، وهو ما أضعف أشكال المساعدة والتكافل اليومي بين السكان.
أربعة مواسم مطرية فاشلة تدمر مصادر العيش
لم تقتصر الأزمة على المدن، بل امتدت كذلك إلى المناطق الريفية، حيث أدى فشل أربعة مواسم مطرية متتالية إلى تدمير ممتلكات السكان ومصادر أرزاقهم.
ودفعت هذه الظروف أكثر من نصف مليون شخص خلال العام الجاري وحده إلى النزوح نحو مدن مثل بيدوا ومقديشو، بحثًا عن الغذاء والماء وسبل العيش.
ويواجه أكثر من ستة ملايين شخص في مختلف أنحاء الصومال مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.
وتُعد مديرية بورهكبا في إقليم باي واحدة من المناطق التي تضررت بشدة من تداخل الجفاف ونقص الغذاء وارتفاع الأسعار، وفقًا لما أورده تقرير «ذا نيو هيومانيتيريان».