حسن شيخ محمود والتناقض بين الخطاب “السيادي” والواقع السياسي

يسعى الإعلام الوظيفي وبعض المنصات الموجهة في الآونة الأخيرة إلى تصدير الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود، في صورة الزعيم المدافع عن السيادة الوطنية والمعارض الشرس للتحركات الإسرائيلية في منطقة القرن الأفريقي، لا سيما بعد الأنباء المتداولة عن اعتراف إسرائيلي بإقليم “أرض الصومال” (صوماليلاند). إلا أن القراءة المتأنية للمسار السياسي للرئيس محمود، والتقارير الاستخباراتية والدبلوماسية الموثقة، تكشف عن فجوة عميقة بين الخطاب الإعلامي الموجه للاستهلاك الشعبي وبين الممارسات السياسية على أرض الواقع، والتي تشير إلى وجود علاقات سرية وتفاهمات تتجاوز الخطوط الحمراء المعلنة.

العلاقات السرية مع “إسرائيل”: ما وراء الكواليس

على عكس ما يحاول الإعلام ترويجه، فإن الرئيس حسن شيخ محمود يمتلك سجلاً من الاتصالات المباشرة والسرية مع الجانب الإسرائيلي. وتؤكد التقارير أن محمود التقى برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سراً في عام 2016 خلال ولايته الرئاسية الأولى، وهو اللقاء الذي وضع حجر الأساس لتفاهمات لم تخرج للعلن حينها. ومع عودته للسلطة في عام 2022، تجددت هذه الاتصالات عبر قنوات إقليمية، حيث أشارت تقارير صحفية دولية إلى لقاءات جرت في الإمارات بين مسؤولين صوماليين مقربين من الرئاسة ومسؤولين إسرائيليين لبحث إمكانية انضمام الصومال إلى “اتفاقيات أبراهام”.

وفيما يلي محطات بارزة يجب أن لا تنسى:

  • اللقاء السري الأول (2016): حيث جرى اجتماع مباشر بين حسن شيخ محمود وبنيامين نتنياهو في “إسرائيل”.
  • تصويت مجلس حقوق الإنسان (2019): حيث شهد توجيهات رئاسية للسفيرة الصومالية بالامتناع عن التصويت ضد “إسرائيل” في قضية الجولان.
  • اتصالات دبي وأبوظبي (2022): حيث جرت لقاءات غير معلنة مع مسؤولين إسرائيليين عقب إعادة انتخاب محمود.

إن محاولة الرئيس الحالية لتصوير نفسه كخصم لإسرائيل في ملف “صوماليلاند” لا تعدو كونها محاولة لـ “صعود مساحة الشاشة” في توقيت حرج، حيث يستخدم القضية الفلسطينية والسيادة الوطنية كغطاء سياسي لتبرير إخفاقاته في ملفات أخرى، ولصرف النظر عن علاقاته الشخصية التي لم تنقطع مع الدوائر الغربية الداعمة للتطبيع. بل وعن حقيقة أنه الأسرع لاستجداء القبول الإسرائيلي مثله مثل ساسة صومالي لاند.

رهن السيادة الوطنية: التورط مع القوى الأجنبية

بينما يرفع الرئيس الصومالي شعارات السيادة في وجه التدخلات الخارجية، وقعت إدارته اتفاقيات أمنية واقتصادية تمنح قوى أجنبية، وعلى رأسها تركيا، صلاحيات واسعة تمس جوهر السيادة الصومالية. فالاتفاقية الدفاعية الموقعة في عام 2024 تمنح أنقرة سيطرة شبه كاملة على المياه الإقليمية الصومالية لمدة عشر سنوات، بما في ذلك الحق في بناء قواعد عسكرية وإدارة الموارد البحرية.

“تمنح الاتفاقية الأمنية الموقعة مع تركيا حصانة قانونية كاملة للقوات الأجنبية العاملة على الأراضي الصومالية، مما يحميها من أي ملاحقة قضائية محلية أو دولية، وهو ما يمثل سابقة خطيرة في تاريخ الصومال الحديث.”

علاوة على ذلك، تم منح صندوق التقاعد العسكري التركي (OYAK) عبر شركة “SOMTURK” الوليدة، حقوقاً حصرية لإصدار تراخيص الصيد ومراقبة النشاط البحري، مما يعني عملياً تسليم قطاع اقتصادي استراتيجي لجهة عسكرية أجنبية. هذه الخطوات لا تختلف في جوهرها عن “المصائب” التي يتهم بها خصومه، بل تتجاوزها في مأسسة التواجد الأجنبي ومنحه غطاءً قانونياً وحصانة مطلقة.

استغلال ملف صوماليلاند كأداة دعائية

يستخدم حسن شيخ محمود ملف اعتراف “إسرائيل” بـ “صوماليلاند” كذريعة للظهور بمظهر البطل القومي. فالادعاءات التي ساقها مؤخراً حول خطط إسرائيلية لتهجير الفلسطينيين إلى “أرض الصومال”، تهدف بالأساس إلى دغدغة مشاعر الشارع الصومالي والإسلامي. إن هذا الخطاب “البطولي” يهدف إلى التغطية على حقيقة أن حكومته هي من فتحت الباب على مصراعيه للقواعد الأجنبية ومنحت الحصانات لجيوش دول أخرى، مما جعل الصومال ساحة للصراعات الإقليمية والدولية بامتياز.

وهو نفسه حسن شيخ محمود الذي أرسل رسائل للإدارة الأمريكية يعدهم بتقديم موانئ الصومال في خدمتهم فرد عليه بعض المسؤولين الأمريكيين ردا ساخرا، على رئيس لا يملك سيادة، فكيف يعرض تمليك أصول صومالية لا يملك السيطرة عليها على الأمريكيين الذين يحمون وجوده وحكومته.

وهو الموقف نفسه الذي اتخذه حين ظهرت للعلن، اتفاقية صومالي لاند مع إثيوبيا بشأن موطئ قدم لإثيوبيا على سواحل صومالي لاند، فكان رد الرئيس الصومالي الموظف للغرب، عرض موطئ قدم بديل لأديس أبابا في سواحل الصومال، وكان الاعتراض على الجهة المانحة لهذه الأصول وليس على مبدأ الفكرة، في تقديم عدو تاريخي -بسجل دموي لا يزال ينتظر القصاص- موطئ قدم على السواحل الصومالية. بل كان الأعجز عن حماية الصومال من محاولات إثيوبيا الجشعة للوصول لسواحلها. وكيف يمكن لرئيس يحتمي بالقوات الإثيوبية أن يمنع إثيوبيا من الوصول إلى السواحل الصومالية!

والأمر نفسه يتكرر الآن، فحسن شيخ محمود يعترف بدولة الاحتلال الإسرائيلي ويرى حقها في فلسطين ولا يتوانى عن تقديم فروض الطاعة، لنيل قبول تل أبيب، فما يردده اليوم من خطابات تبرزها القنوات، ليس إلا عملية تضليل لا تليق، ويدرك الشعب الصومالي أن حسن شيخ محمود غير قادر على حماية نفسه لولا الحماية الأجنبية له، فكيف يمكن لرئيس بمثل وضعه الضعيف والهش أن يتحدث عن سيادة.

إن ما يفعله حسن شيخ محمود ليس إلا مسابقة على نيل قبول الأمريكيين واليهود، ولا يعدو كونه عميل مخلص آخر، يستنكر أن يسبقه رئيس صومالي لاند في نيل مرضاة تل أبيب، ولن يكون صادما أن يلهث خلف اتفاقيات إبراهيم الخبيثة علنا بلا خجل في مرحلة مقبلة، ما دام يفعل ذلك سرا.

في الختام، يتضح أن المواقف الحالية للرئيس حسن شيخ محمود تجاه “إسرائيل” هي مواقف انتهازية تهدف إلى تحقيق مكاسب سياسية مؤقتة.

إن الحقائق تؤكد على أن الرئيس الذي يرهن موارد بلاده واتفاقياته النفطية وقواعده العسكرية لجهات أجنبية ويعجز عن حماية نفسه، ويُعرف بفساد حكومته والمظالم التي تقع بقيادته بحق الشعب الصومالي في مناطق حكم الحكومة التي تحرسها القوات الدولية الأجنبية. لا يمكنه ادعاء حماية السيادة في ملف واحد، بينما يفرط فيها في ملفات أخرى. إن ما يحصل الآن هو مجرد محاولة لغسل السمعة السياسية وتصدير صورة مغايرة للواقع الذي تؤكده التقارير الاستخباراتية والاتفاقيات الموقعة خلف الأبواب المغلقة.

حسن شيخ محمود مجرد نسخة أخرى عن رئيس صومالي لاند، يسير بما تمليه عليه القوى المهيمنة، ولا يعدو قدره الخادم المطيع للأجندة الصهيوصليبية في المنطقة.

ساجد العمري