قائد «أفريكوم» يضع مقديشو على المحك: تولّوا أمنكم واحكموا الأرض أو تتراجع الشراكة الأمريكية.. لا نريد أن نقاتل لاستعادة المناطق نفسها

كشفت تصريحات قائد القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا «أفريكوم»، الجنرال داغفين أندرسون، عن مستوى متزايد من الإحباط الأمريكي تجاه أداء الحكومة الصومالية في ملف الأمن ومكافحة حركة الشباب المجاهدين، بعدما أقر بأن القوات الصومالية تستعيد مناطق سبق أن تمكنت من السيطرة عليها، قبل أن تخسرها مجددًا، مؤكدًا أن استمرار الدعم الأمريكي ليس مفتوحًا بلا نهاية، وأن واشنطن تريد أن ترى الحكومة الصومالية تتولى زمام المعركة وتتحمل مسؤولية تحقيق الاستقرار.

وجاءت تصريحات أندرسون خلال مقابلة أجراها معه الأمين العام للاتحاد الوطني للصحفيين الصوماليين، عمر فاروق عثمان، في مقديشو، تناولت مستقبل الشراكة الأمريكية الصومالية، والوضع الأمني، ومستوى الدعم الذي تقدمه واشنطن للقوات الصومالية.

ورغم حرص الجنرال الأمريكي على التأكيد أن بلاده «لم تدر ظهرها للصومال»، فإن حديثه حمل رسائل شديدة الوضوح إلى الحكومة في مقديشو: الدعم الأمريكي سيستمر بقدر ما تستطيع الحكومة الصومالية إثبات قدرتها على تحقيق نتائج مستدامة، وليس مجرد تحقيق مكاسب عسكرية مؤقتة.

«نحن نستعيد الأراضي نفسها مرة أخرى»

ربما كانت أكثر العبارات دلالة على حجم المشكلة ما قاله أندرسون عن تجربته السابقة في الصومال.

فالجنرال الأمريكي سبق أن عمل في البلاد بين عامي 2019 و2021 ضمن قيادة العمليات الخاصة، وقال إنه شارك آنذاك في دعم الجيش الصومالي وقوات «دنب» خلال عمليات أدت إلى استعادة مناطق في إقليم شبيلي السفلى، وصولًا إلى مبارك.

لكن عودته إلى الصومال هذه المرة بصفته قائدًا لـ«أفريكوم» كشفت له، بحسب وصفه، مشكلة جوهرية:

«أعود إلى أفريكوم كقائد، ونستعيد الأراضي نفسها مرة أخرى».

ووصف أندرسون ذلك بأنه «مصدر للإحباط»، موضحًا أن تلك المناطق فقدت في السابق لأن التركيز على مكافحة حركة الشباب المجاهدين انتقل إلى أماكن أخرى.

وهنا تكمن المشكلة التي تكشفها تصريحات المسؤول العسكري الأمريكي: النجاح العسكري لا يتحول إلى مكسب دائم.

فالقوات الصومالية قد تتمكن، بدعم أمريكي، من استعادة منطقة من حركة الشباب المجاهدين، لكن إذا لم تستطع الحكومة تثبيت وجودها فيها، وتوفير الأمن والعدالة والإدارة، فإن المنطقة تصبح عرضة للسقوط مجددًا.

وبالتالي، فإن القضية بالنسبة لواشنطن لم تعد مجرد قدرة القوات الصومالية على تنفيذ عمليات عسكرية، وإنما قدرتها على الاحتفاظ بالأراضي وإدارة المناطق التي تستعيدها.

وقد أكد القائد الأمريكي على أهمية الصومال في إجابته على سؤال: “كيف ترى، بصفتك أعلى مسؤول عسكري أمريكي في أفريقيا، أهمية الصومال بالنسبة للاستراتيجية الأمريكية في المنطقة والقارة بأكملها؟”

قأجاب الجنرال داغفين أندرسون: يقع الصومال في موقع استراتيجي بالغ الأهمية. فالقرن الأفريقي ذو أهمية حيوية للتجارة العالمية. وتُعد الممرات المائية الشمالية وبوابة دخول جزء كبير من شرق أفريقيا من الصومال. وهذا وحده كافٍ لجعله ذا أهمية بالغة.

 

واشنطن: الكرة في ملعب الحكومة الصومالية

وقال المحاور: “بالتأكيد، دارت نقاشات مؤخرًا حول الشراكة الأمريكية الصومالية في مختلف المجالات، وهناك تكهنات كثيرة تُشير إلى انسحاب الولايات المتحدة من الصومال.

هل هذا صحيح؟ لأن العديد من الصوماليين لديهم مخاوف مشروعة من أن الولايات المتحدة تتخلى عنهم”.

فأجاب الجنرال الأمريكي: من المثير للاهتمام قولك هذا، لأنني أؤكد أن الولايات المتحدة لم تتخلَّ عن الصومال. لقد كنا ملتزمين هنا لسنوات عديدة، وشاركنا، في رأيي، بشكل بنّاء للغاية.

لقد ساعدت الولايات المتحدة، وكنتُ جزءًا من هذا سابقًا عندما كنتُ هنا، في بناء قوات الداناب، إحدى أقوى القوات في القارة. أنا فخور جدًا بمشاركتنا في بناء قوة مكافحة الإرهاب، وقد أنجزنا ذلك. لقد أنشأنا هذه القوة، وهي موجودة هنا وجاهزة للاستخدام في مكافحة الإرهاب.

لكن الآن يقع على عاتق الصومال مسؤولية دعم هذه القوة، ومواصلة تطويرها، وتعزيز فعاليتها في المستقبل، واستخدامها كما صُممت لمكافحة الإرهاب.

لذا، لا أعتقد أننا نتخلى عن الصومال، ولكن هناك من يتساءل في واشنطن وأجزاء أخرى من البلاد: “لقد تواجدنا هنا لسنوات عديدة. متى سيستقل الصومال ويتولى هذه القضايا بنفسه؟”

بعض الناس متخوفون من هذا الوضع لأننا نتعامل مع الإرهاب في مناطق أخرى من العالم منذ سنوات طويلة، ويريدون أن يروا الصومال يتولى هذه المهمة ويتقدم للأمام.

هناك أيضًا العديد من القضايا الأخرى حول العالم التي تتدخل فيها الولايات المتحدة، قضايا أمنية يجب علينا الاهتمام بها أيضًا. لذلك، يتساءل البعض: “متى سيستقل الصومال؟”

لقد كان أندرسون واضحًا في تحديد المسؤوليات.

فالولايات المتحدة، بحسب حديثه، تستطيع المساعدة في الجانب الأمني والعسكري، لكنها تنتظر من الحكومة الصومالية القيام بما وصفه بـ«جزء الحوكمة»، وإرساء الاستقرار الذي يسمح بتحقيق التنمية والازدهار.

وقال إن واشنطن تريد أن ترى الصومال يتحمل مسؤولية أمنه بنفسه، وإن هناك أصواتًا داخل الولايات المتحدة تتساءل بعد سنوات من الانخراط في البلاد:

متى يصبح الصومال قادرًا على تولي هذه الملفات بنفسه؟

وهذه الرسالة هي الأهم سياسيًا في حديث قائد «أفريكوم»، لأنها تعني أن استمرار الدعم الأمريكي بات مرتبطًا بدرجة أكبر بقدرة الحكومة الصومالية على إثبات أنها شريك قادر على تحمل المسؤولية، وليس طرفًا يعتمد بصورة مستمرة على المساندة الخارجية.

 

«إذا استمر الصراع السياسي سيكون من الصعب علينا البقاء»

ولم يحصر أندرسون المشكلة في الجانب العسكري، بل ربط الأمن مباشرة بالوضع السياسي الداخلي.

وقال بوضوح إن استمرار عدم الاستقرار السياسي والصراع السياسي الداخلي سيجعل من الصعب على الولايات المتحدة مواصلة انخراطها في الصومال.

وقال بعد شرحه للجهود الأمريكية في دعم الحكومة الصومالية: “لا أعتقد أننا تخلينا عن الصومال بأي حال من الأحوال. إذا بادرت الصومال وحكومتها إلى أخذ زمام المبادرة في هذا الشأن، فسنواصل التواجد هناك لوجود مصلحة مشتركة.

لكن إذا لم نرَ ذلك، واستمر عدم الاستقرار السياسي والصراعات الداخلية، فسيكون من الصعب علينا الاستمرار في المشاركة.”

وهذا التحذير يأتي في وقت لا تزال فيه الخلافات السياسية تشكل أحد أبرز التحديات أمام الدولة الصومالية، في ظل التوترات بين الحكومة الفيدرالية وبعض الولايات، والخلافات بشأن ترتيبات الحكم والانتخابات وتقاسم الصلاحيات.

 

الدعم الأمريكي ليس شيكًا مفتوحًا

أندرسون كشف أيضًا عن ضغط آخر يواجهه الوجود الأمريكي في الصومال: المنافسة على الموارد الأمريكية.

فالولايات المتحدة تواجه ملفات أمنية متعددة حول العالم، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، وهناك مطالب متزايدة على القوات والموارد الأمريكية.

وقال أندرسون إن قدرته على الإبقاء على الموارد الأمريكية في إفريقيا تعتمد على إمكانية إثبات وجود تقدم في مواجهة التهديد المشترك المتمثل في حركة الشباب المجاهدين.

أما إذا لم تُستخدم هذه الموارد لتحقيق تقدم في مكافحة الصعود الجهادي، فإن تبرير إبقائها في الصومال سيصبح أصعب بالنسبة إليه، في ظل وجود احتياجات وملفات أخرى حول العالم.

وهذه النقطة تكشف أن واشنطن لا تنظر إلى الدعم العسكري للصومال باعتباره التزامًا دائمًا مهما كانت النتائج، بل باعتباره استثمارًا يحتاج إلى نتائج يمكن الدفاع عنها أمام صناع القرار الأمريكيين.

ولذلك أجاب على سؤال المحاور: “حسنًا، لقد تحدثتَ عن الاستدامة، وذكرتَ التزاماتكم في مناطق أخرى من العالم. هناك صراعات في أوكرانيا، وصراعات في الشرق الأوسط، وهذا يقودني إلى السؤال التالي.

كيف تتأثر الموارد المخصصة لأفريقيا، أو الموارد التي تتلقاها أفريقيا، بالصراعات الأخرى بسبب تضارب الأولويات والالتزامات في مناطق أخرى من العالم؟

لأننا عندما نتحدث عن الاستدامة، لا نحتاج إلى الانسحاب والقول: “انظروا، أنتم الصوماليون لا تستطيعون دعم هذه العملية، لذا سننسحب.

إذا، كيف تتأثر الموارد المخصصة للقيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) للعمل في الصومال والمنطقة الأوسع بهذه الصراعات الأخرى؟

فأجاب أندرسون: معك حق. هناك ضغوط أخرى كثيرة على هذه الموارد، وقد بحثنا إمكانية توظيفها في جبهات أخرى لمعالجة قضايا أخرى.

إن السبب في قدرتنا على الإبقاء على هذه الموارد هنا في أفريكوم هو استمرارها في مكافحة الإرهاب، وقدرتنا على مواصلة تركيزها على داعش في الشمال، ومواصلة تركيز هذه الحرب مع شركائنا على حركة الشباب المجاهدين.

طالما استطعنا إحراز تقدم في مواجهة التهديد المشترك، ألا وهو الإرهاب، أي تنظيم القاعدة وداعش، فسأتمكن من تبرير استخدام هذه الموارد هنا.

لكن إذا استُخدمت هذه الموارد في أماكن أخرى لأغراض أخرى غير مكافحة الإرهاب، فسأجد صعوبة في تبرير إبقائها هنا نظرًا لكثرة المتطلبات الأخرى.

أنا أؤمن بهذه المهمة، وأؤمن بالوقوف هنا معكم لمكافحة الإرهاب، ولكن علينا أن… انظر إلى هذا التقدم.

 

«دنب».. نجاح أمريكي يواجه اختبار الاستدامة

أشاد أندرسون بقوة «دنب» باعتبارها واحدة من أكثر القوات قدرة في القارة الإفريقية، مؤكدًا أن الولايات المتحدة ساهمت على مدى سنوات في بناء هذه القوة وتطوير قدراتها لمكافحة الإرهاب.

لكنه وضع أمام الحكومة الصومالية مهمة أصعب: الحفاظ على هذه القوة وتطويرها واستخدامها بالشكل الذي أُنشئت من أجله.

وبمعنى آخر، ترى واشنطن أن مرحلة بناء القوة قد قطعت شوطًا كبيرًا، لكن الاختبار الحقيقي أصبح الآن في قدرة الدولة الصومالية على تمويلها وإدارتها والمحافظة على فعاليتها.

وهذا يعيد النقاش إلى المشكلة الأكبر: الولايات المتحدة تستطيع تدريب قوات وتجهيزها ودعم عملياتها، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الدولة في بناء مؤسسات أمنية وسياسية مستقرة على المدى الطويل.

 

النجاح المحدود لا يخفي استمرار قوة حركة الشباب المجاهدين

وفي تقييمه للوضع الأمني، قال أندرسون إن هناك نجاحات محدودة، منها دفع حركة الشباب المجاهدين بعيدًا عن مقديشو.

لكنه في الوقت نفسه وصف حركة الشباب المجاهدين بأنها «مرنة» وقادرة على الاستمرار.

حيث أجاب عن سؤال المحاور: “بصفتك مسؤولاً عسكرياً أمريكياً رفيع المستوى في أفريقيا، وتزور الصومال حالياً، ما هو تقييمك للوضع الأمني ​​في الصومال ومنطقة القرن الأفريقي عموماً؟”.

فقال أندرسون: “إنه موضوع شيق للغاية، لأننا شهدنا بعض النجاحات المحدودة في بعض مناطق الصومال. لقد شهدنا تراجع حركة الشباب بعيدًا عن مقديشو، لكننا رأينا أيضًا أنها تتمتع بصلابة كبيرة وتستمر في الوجود”.

وهذا يعني أن واشنطن لا ترى أن الحرب حُسمت، رغم سنوات الدعم العسكري والاستخباراتي الأمريكي للقوات الصومالية. وهذا فشل ذريع للحكومة غير المؤهلة للحوكمة.

 

واشنطن تربط الأمن بالاستثمار

لم يغلق أندرسون الباب أمام استمرار الشراكة الأمريكية، بل طرح معادلة واضحة: الأمن والاستقرار أولًا، ثم الاستثمار والازدهار.

وقال إن الولايات المتحدة مهتمة بالاستثمار في البلدان التي تتمتع بالاستقرار والازدهار، وإنها مستعدة للشراكة والمساعدة، لكن ذلك يتطلب أن تتولى الدولة المضيفة مسؤولية بناء استقلالها وقدرتها على إدارة شؤونها.

وبالتالي، فإن الرسالة الأمريكية لا تتمثل في الانسحاب الفوري من الصومال، وإنما في إعادة تعريف العلاقة: واشنطن مستعدة للمساعدة، لكنها تريد شريكًا صوماليًا أكثر قدرة على تحمل العبء.

 

ضحايا الضربات الجوية والمساءلة

وبشأن سقوط ضحايا مدنيين بشكل مستمر في الضربات الأمريكية، قال أندرسون إن «أفريكوم» تتعامل بجدية مع التقارير المتعلقة بمقتل مدنيين أو إصابتهم في الضربات الأمريكية.

وأوضح أن القوات الأمريكية تخصص موارد كبيرة لجمع المعلومات الاستخباراتية واختيار الأهداف وتقليل المخاطر التي قد يتعرض لها المدنيون حسب قوله.

وأكد أن أي واقعة تتوافر بشأنها ادعاءات موثوقة تخضع للتحقيق، وأقرّ بوقوع أخطاء في بعض الحالات، وزعم أن الولايات المتحدة قدمت تعويضات عند ثبوتها حسب زعمه.

لكن تصريحات الجنرال الأمريكي جاءت محاولة للتنصل من السؤال المحرج، حيث أن الضربات الأمريكية لا تزال تستهتر بدماء الصوماليين المدنيين ولم يسجل أي تعويض لأي حالة من الضحايا على عكس ما يزعم قائد أفريكوم. وإنكار أفريكوم لا يغير الحقائق على الأرض.

 

لا قاعدة أمريكية في صوماليلاند

ونفى قائد «أفريكوم» وجود أي خطة أمريكية لبناء قاعدة عسكرية في صوماليلاند، رغم الزيارات التي أجراها هو ومسؤولون آخرون إلى المنطقة.

كما أكد أن سياسة الولايات المتحدة تجاه القضية لم تتغير، وأن واشنطن لا تزال متمسكة بسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية ووحدة أراضيها.

واختتم رسالته بالتأكيد أن الولايات المتحدة ستواصل مساعدة الأطراف التي تظهر استعدادًا حقيقيًا لتحمل مسؤولية مساعدة نفسها.