قاعدة أمريكية في بوصاصو؟ واشنطن توسّع حضورها العسكري في بونتلاند وتفتح أسئلة السيادة الصومالية
تتجه الولايات المتحدة نحو توسيع منشأتها العسكرية في مدينة بوصاصو بإقليم بونتلاند شمال شرقي الصومال، في خطوة قد تحمل أبعاداً تتجاوز مكافحة ما يسمى الإرهاب إلى إعادة رسم الحضور العسكري الأمريكي على سواحل القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
وبحسب التقارير فقد وقّع قائد العمليات الخاصة الأمريكي في أفريقيا، مطلع أغسطس/آب، اتفاقاً أمنياً مع رئيس بونتلاند لتوسيع المنشأة العسكرية الأمريكية في بوصاصو، بهدف دعم عمليات مكافحة الإرهاب وتعزيز الأمن البحري. لكن تفاصيل الاتفاق لم تُنشر، كما لم يؤكده علناً حتى الآن القادة الأمريكيون أو القيادة الأمريكية في أفريقيا (AFRICOM).
اتفاق بعيد عن مقديشو
الأكثر حساسية في الخطوة ليس فقط موقع القاعدة، وإنما الجهة التي تفاوضت مع واشنطن.
فالاتفاق جرى من دون مشاركة الحكومة المركزية في مقديشو، في وقت تشهد فيه العلاقة بين الحكومة الفيدرالية وبعض الولايات، ومنها بونتلاند، توترات سياسية ودستورية متزايدة.
وهنا يبرز سؤال السيادة: هل يمكن لقوة أجنبية أن تعقد ترتيبات عسكرية مباشرة مع إقليم اتحادي دون المرور بالحكومة الفيدرالية؟
ويرى محللون أن هذا النهج قد يعزز واقع التعامل مع الولايات الفيدرالية بوصفها أطرافاً مستقلة في الملفات الأمنية، بدلاً من التعامل معها باعتبارها جزءاً من دولة واحدة ذات حكومة مركزية معترف بها.
لماذا بوصاصو الآن؟
يأتي التطور في سياق أوسع بكثير من الملف الصومالي.
فمع تصاعد التوترات في البحر الأحمر وخليج عدن، تزداد أهمية الساحل الصومالي بالنسبة إلى واشنطن. وتقع بوصاصو بالقرب من واحد من أهم الممرات البحرية العالمية، فيما يمنح موقعها الولايات المتحدة إمكانية الوصول بصورة أقرب إلى منطقة باب المندب والبحر الأحمر.
ويرى محللون أن توسع القاعدة قد يكون مرتبطاً بالحاجة إلى تعزيز القدرة الأمريكية على التحرك في المجال البحري، خصوصاً مع امتداد تداعيات الصراع الإقليمي إلى البحر الأحمر. ويشير التقرير إلى أن نحو 10 إلى 12% من حركة الشحن العالمية تمر عبر باب المندب.
وبذلك، لا تبدو بوصاصو مجرد نقطة عسكرية لملاحقة حركة الشباب المجاهدين داخل الصومال، وإنما قد تتحول إلى موقع متقدم ضمن استراتيجية أمريكية أوسع لأمن البحر الأحمر وخليج عدن.
من جيبوتي إلى بوصاصو
تمتلك الولايات المتحدة بالفعل قاعدة كامب ليمونييه في جيبوتي، وهي أكبر قاعدة أمريكية دائمة في أفريقيا.
لكن جيبوتي التي تحتضن قواعد كبيرة لدول أخرى أيضا، وضعت قيوداً على استخدام منشآتها في ظل التصعيد في البحر الأحمر، ما يجعل بوصاصو موقعاً قد يوفر لواشنطن مساحة أكبر للمناورة العملياتية.
وبالتالي، فإن توسيع الوجود الأمريكي في بوصاصو يمكن أن يمنح واشنطن خياراً إضافياً على الساحل المقابل لليمن، ويقلل اعتمادها على موقع واحد في المنطقة.
هل تعود واشنطن إلى الوجود البري؟
الخطوة قد تعكس أيضاً تحولاً في النهج الأمريكي تجاه الصومال.
فبحسب التقرير، ركزت إدارة ترامب خلال الفترة الماضية بدرجة كبيرة على الضربات الجوية ضد حركة الشباب المجاهدين بدلاً من توسيع الوجود العسكري الأمريكي المباشر على الأرض.
وتشير الإحصاءات إلى أن الولايات المتحدة قد نفذت 124 ضربة جوية في الصومال خلال 2025، إضافة إلى 78 ضربة أخرى خلال 2026 حتى تاريخ نشر التقرير، مقارنة بـ51 ضربة خلال فترة إدارة جو بايدن وفق الأرقام التي أوردها الموقع.
لكن توسيع قاعدة بوصاصو قد يعني أن واشنطن بدأت تفكر في نموذج أكثر حضوراً واستدامة، يجمع بين العمليات ضد الجماعات المسلحة وبين تأمين المصالح البحرية الأمريكية في المنطقة.
الخطر الأكبر: تعميق الانقسام الصومالي
غير أن توسيع التعاون العسكري المباشر مع بونتلاند يحمل مخاطرة سياسية واضحة.
فالولايات المتحدة تقول إنها تدعم الحكومة الصومالية المعترف بها دولياً، لكنها في الوقت نفسه أقامت خلال السنوات الماضية علاقات مباشرة مع سلطات محلية وإقليمية مثل بونتلاند وصوماليلاند.
ويرى محللون أن هذا النهج قد يتحول إلى تناقض استراتيجي: واشنطن تقول إنها تريد صومالاً أكثر استقراراً ووحدة، لكنها قد تتعامل أمنياً مع الأطراف الفيدرالية بعيداً عن مقديشو، الأمر الذي يمكن أن يزيد من ضعف المركز ويعمق الخلافات بين الحكومة الفيدرالية والولايات.
ويحذر بعض المحللين من أن واشنطن قد تقع في دائرة مفرغة: كلما اشتكت من ضعف الدولة وانقسامها، ثم عززت الأطراف المحيطية على حساب الحكومة المركزية، فإنها قد تسرّع الانقسام الذي تقول إنها تريد منعه.
بوصاصو في قلب حسابات البحر الأحمر
الأمر لا يتوقف عند الصومال.
فبوصاصو تقع على خليج عدن، بالقرب من خطوط الملاحة المؤدية إلى باب المندب والبحر الأحمر. ومع استمرار التوترات الإقليمية، يمكن أن تكتسب القاعدة أهمية باعتبارها منصة أمريكية متقدمة لمراقبة وتأمين أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
كما أن اللقاءات الأمريكية مع قيادات في جوبالاند قبل الإعلان عن اتفاق بونتلاند قد تشير إلى اهتمام أمريكي أوسع بتعزيز العلاقات المباشرة مع الولايات الصومالية، وليس بونتلاند وحدها.
هل نحن أمام قاعدة أمريكية جديدة في القرن الأفريقي؟
التقارير لا تتحدث عن إنشاء قاعدة أمريكية جديدة بالكامل، بل تتحدث عن توسيع منشأة عسكرية أمريكية قائمة في بوصاصو، مع غياب نص علني للاتفاق وتأكيد رسمي أمريكي واضح حتى الآن.
لكن دلالة الخطوة أكبر من حجم المنشأة نفسها.
فإذا تحول التوسع إلى وجود أمريكي دائم وواسع، فقد تكون بوصاصو جزءاً من إعادة تموضع أمريكية على ساحل البحر الأحمر وخليج عدن، في وقت أصبحت فيه الممرات البحرية والتنافس الإقليمي جزءاً أساسياً من الحسابات الأمنية الدولية.
وهنا تبرز المفارقة: هل تسعى واشنطن إلى حماية أمن الصومال والبحر الأحمر، أم أن أمن البحر الأحمر هو الذي يدفعها إلى إعادة بناء حضورها العسكري داخل الصومال؟
والسؤال الأكثر حساسية بالنسبة لمقديشو: إذا كانت الولايات المتحدة تتعامل مباشرة مع الولايات الفيدرالية في الملفات العسكرية والأمنية، فهل يمكن لهذا التعاون أن يعزز أمن الصومال، أم أنه سيعمق الانقسامات السياسية التي تعاني منها الدولة أصلاً؟