قوات سوريا الديمقراطية (قسد) تخسر معاقلها في حلب وتطورات حرب المسيرات في سوريا 

تشهد الساحة السورية في مطلع عام 2026 تحولاً جذرياً في خارطة الصراعات المحلية، حيث انتقل الثقل العسكري من جبهات إدلب والشمال الغربي إلى قلب مدينة حلب وشرق الفرات. تواجه قوات سوريا الديمقراطية (قسد) تحديات وجودية غير مسبوقة، تتمثل في ضغوط عسكرية مزدوجة من الجيش السوري من جهة، والتهديدات التركية المستمرة من جهة أخرى. 

جبهة حلب: انهيار التوازنات الهشة

تعد مدينة حلب حالياً بؤرة التصعيد الرئيسية، حيث أطلق الجيش السوري عملية عسكرية تهدف إلى إنهاء الوجود العسكري لـ “قسد” في حيي الشيخ مقصود والأشرفية. يأتي هذا التحرك بعد انهيار “اتفاق 10 آذار 2025” (أو اتفاق أبريل)، الذي كان ينظم العلاقة بين الطرفين في المدينة.
تكمن الأهمية الاستراتيجية لهذين الحيين في موقعهما الجغرافي المرتفع، حيث يشرفان بشكل مباشر على طريق الكاستيلو، الشريان الحيوي الذي يربط مدينة حلب بريفها الشمالي وصولاً إلى الحدود التركية. تتهم الحكومة السورية “قسد” باستخدام هذه المرتفعات لنشر قناصة واستهداف المدنيين، بينما ترى “قسد” أن الهجوم يهدف إلى تغيير ديموغرافي وكسر إرادة المكون الكردي في المدينة.

حرب المسيرات: السلاح الفتاك الجديد

انتقلت المواجهة بين الطرفين إلى مرحلة “حرب المسيرات”، حيث أصبحت الطائرات بدون طيار الأداة الرئيسية للاستنزاف المتبادل. لم تعد المسيرات حكراً على القوى الكبرى، بل أصبحت “قسد” تعتمد عليها بشكل مكثف لتعويض النقص في القوة الجوية والمدفعية الثقيلة.
تستخدم “قسد” أنواعاً متعددة من المسيرات، أبرزها مسيرات FPV (الرؤية من منظور الشخص الأول) والمسيرات الانتحارية المعدلة محلياً. تتميز هذه الطائرات بقدرتها على حمل شحنات متفجرة من مواد TNT أو C4، أو حتى قذائف فراغية، وتستهدف بدقة عالية مراكز القيادة، تجمعات الجنود، وحتى المباني الحكومية مثل “القصر البلدي” في حلب.

أنواع المسيرات ودورها في الحرب

1.المسيرات الانتحارية: تستخدم لضرب أهداف ثابتة أو متحركة بمدى يصل إلى 9 كيلومترات، وهي صعبة الرصد بسبب صغر حجمها وتحليقها المنخفض.
2.مسيرات الاستطلاع واللقط: تستخدم لتصحيح نيران المدفعية ورصد تحركات القوات المعادية خلف خطوط التماس.
3.المسيرات التجارية المعدلة: طائرات “درون” بسيطة يتم تزويدها بآليات لإسقاط القنابل اليدوية أو القذائف الصغيرة.

استراتيجيات التصدي للمسيرات

أدى الانتشار الواسع للمسيرات إلى تطوير تكتيكات مضادة من قبل الجيش السوري وحلفائه. تعتمد هذه الاستراتيجيات على مزيج من التكنولوجيا المتقدمة والأساليب الميدانية التقليدية.
نوع التصدي
الوسيلة المستخدمة
الآلية
التشويش الإلكتروني (EW)
منظومات الحرب الإلكترونية
قطع الاتصال بين الطائرة والمشغل، مما يؤدي لسقوطها أو انحرافها.
الدفاع الجوي التقليدي
منظومات “بانستير” والرشاشات الثقيلة
استهداف الطائرات جسدياً عند رصدها بالرادار أو بالعين المجردة.
التصدي الميداني
الشباك المعدنية وبنادق الصيد
حماية المواقع الحساسة بشباك تمنع وصول المسيرات، واستخدام بنادق الخرطوش لإسقاطها.
علاوة على ذلك، بدأ الجيش السوري باستهداف منصات الإطلاق ومراكز التصنيع التابعة لـ “قسد” في مناطق مثل محيط “دير حافر” وشرق حلب، في محاولة لضرب التهديد من منبعه بدلاً من الاكتفاء بالدفاع.

الأبعاد الإقليمية والدور التركي

لا يمكن فصل ما يجري في حلب عن التحركات التركية. تركيا، التي تمتلك واحداً من أكثر برامج المسيرات تطوراً في المنطقة (مثل بيرقدار TB2 وعنقاء)، تواصل استهداف قيادات “قسد” وبنيتها التحتية في شمال شرق سوريا. يرى المحللون أن الضغط السوري الحالي في حلب قد يكون منسقاً بشكل غير مباشر مع التوجهات التركية لإضعاف “قسد”، أو أنه استباق لعملية تركية محتملة قد تخلط الأوراق في الشمال.

التوقعات

وصلت المواجهة مع “قسد” إلى مرحلة كسر العظم، حيث يبدو أن دمشق اتخذت قراراً استراتيجياً بإنهاء الجيوب العسكرية داخل المدن الكبرى. إن نجاح الجيش السوري في السيطرة على حيي الشيخ مقصود والأشرفية سيعني نهاية نفوذ “قسد” في حلب، وسيشكل ضغطاً هائلاً على مناطق نفوذها الأخرى في منبج وتل رفعت. في المقابل، فإن استمرار “قسد” في استخدام سلاح المسيرات قد يحول المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة الأمد ترهق القوات النظامية وتزيد من معاناة المدنيين في المدينة.

ساجد العمري