كينيا تشدد الخناق على التجار الأجانب: دخول بلا تأشيرة لا يعني حق العمل

دخلت كينيا مرحلة جديدة من التشدد تجاه الأجانب المنخرطين في التجارة والأعمال الصغيرة، في وقت تحاول فيه حكومة الرئيس وليام روتو تحقيق معادلة صعبة: الإبقاء على سياسة الانفتاح أمام الزوار والمستثمرين، وفي الوقت نفسه حماية الأنشطة التجارية المحلية من المنافسة الأجنبية.

وأكدت الحكومة الكينية أن الإعفاء من التأشيرة أو من متطلبات تصريح السفر الإلكتروني لا يمنح الأجانب تلقائيًا الحق في العمل أو ممارسة التجارة أو إدارة نشاط تجاري داخل البلاد. وقال وزير الاستثمار والتجارة والصناعة لي كينياجوي إن متطلبات تصاريح العمل والهجرة لا تزال سارية على الأجانب الذين يمارسون أنشطة اقتصادية في كينيا، محذرًا من أن المخالفين قد يواجهون إلغاء تأشيراتهم وفقًا للقانون.

وتأتي هذه التصريحات بعد إعلان الحكومة أنها رصدت ما وصفته بـ«الاستخدام المتعمد الخاطئ لطلبات التأشيرة»، إذ يدخل بعض الأجانب إلى البلاد بصفة سياح أو مستثمرين، ثم يمارسون أنشطة تجارية لا تسمح بها أوضاعهم القانونية.

دخول بلا تأشيرة… ولكن ليس للعمل

تحاول نيروبي التأكيد على أن سياستها الخاصة بالسفر لا تعني فتح سوق العمل المحلي بلا قيود.

فمنذ عام 2024، وسعت كينيا سياسة الدخول دون تأشيرة، قبل أن توسعها في 2025 لتشمل مواطني معظم الدول الأفريقية دون الحاجة إلى متطلبات التأشيرة الإلكترونية في الحالات المشمولة بالسياسة. وتقول الحكومة إن هذا الانفتاح ساهم في دعم السياحة والاستثمار.

لكن الحكومة في الوقت ذاته تريد الفصل بوضوح بين حق الدخول إلى الأراضي الكينية وحق ممارسة النشاط الاقتصادي فيها.

وبذلك أصبح بإمكان الأجنبي دخول البلاد في إطار سياسة الإعفاء، لكن ذلك لا يعني أنه يستطيع تلقائيًا فتح متجر أو ممارسة تجارة التجزئة أو العمل في نشاط مخصص أو منظم بموجب قوانين العمل والهجرة.

وتوعدت السلطات باتخاذ إجراءات ضد الأجانب الذين يستخدمون وضع السائح أو المستثمر لممارسة أنشطة تجارية خارج الشروط المسموح بها.

روتو: نريد المستثمرين لا الباعة المتجولين

التشديد الجديد يأتي في أعقاب توجيهات مباشرة من الرئيس وليام روتو لإغلاق الأنشطة التجارية الصغيرة التي يديرها أجانب، والتي ترى الحكومة أنها تنافس الكينيين في قطاعات يفترض أن تكون متاحة بصورة أكبر للمواطنين.

وقال روتو إن كينيا لم تعمل على بناء ثقة المستثمرين من أجل أن يأتي إليها الأجانب للعمل كباعة متجولين، في إشارة إلى رغبة حكومته في التمييز بين الاستثمار الأجنبي الكبير وبين التجارة الصغيرة التي تدخل مباشرة في منافسة مع أصحاب الأعمال الكينيين.

وتزامن ذلك مع تحرك آخر ضد شركة Tata Chemicals الهندية، بعدما أمر روتو الشركة بوقف عملياتها في كينيا، مبررًا القرار بأن وجودها لم يحقق، بحسب الحكومة، الفوائد الاقتصادية وفرص العمل المطلوبة للبلاد. وردت الشركة بأنها تحترم سلطة الحكومة الكينية وأنها ملتزمة بالتعامل البناء معها.

وهكذا يبدو أن الحملة الحكومية لا تستهدف التجار الصغار وحدهم، وإنما تأتي ضمن توجه أوسع لإعادة تعريف ما تريده كينيا من الوجود الاقتصادي الأجنبي: استثمارات توفر وظائف وقيمة مضافة محلية، وليس مجرد منافسة مباشرة للمشروعات الصغيرة التي يعتمد عليها المواطنون.

قرار روتو يثير الذعر بين البورونديين

لكن تطبيق هذه السياسة أثار حالة من القلق بين الجاليات الأجنبية، وخاصة مواطني دول شرق أفريقيا.

فبحسب تقرير رويترز في 7 سبتمبر، تجمع مئات البورونديين أمام سفارة بلادهم في نيروبي، بعضهم يحمل حقائب وأغراضًا شخصية، بعدما خشيوا من أن تؤدي حملة الحكومة ضد التجار الأجانب إلى إجبارهم على مغادرة البلاد.

وأشارت رويترز إلى أن الحكومة الكينية أعلنت لاحقًا عن عفو مؤقت وتسوية إدارية للأشخاص غير المسجلين من دول شرق أفريقيا، مع فتح فترة لتسجيلهم رسميًا.

وقالت الحكومة إن الأشخاص الذين يخضعون للتسجيل خلال هذه الفترة سيُفترض أنهم موجودون بصورة قانونية في كينيا، بما يسمح لهم بالوصول إلى الخدمات الصحية والمصرفية والحماية القانونية دون خوف.

وتعيش في كينيا، وفق بيانات وكالة الأمم المتحدة للاجئين التي نقلتها رويترز، نحو 16 ألفًا من اللاجئين وطالبي اللجوء البورونديين، ويعمل كثير منهم في أنشطة تجارية صغيرة في نيروبي، من بينها بيع القهوة والملابس المستعملة.

لا حملة واسعة في نيروبي… لكن الخوف سبق التنفيذ

المفارقة اللافتة أن رويترز أفادت بعدم وجود مؤشرات على حملة واسعة ضد التجار الأجانب في نيروبي يوم الاثنين، رغم أن تصريحات روتو السابقة أثارت حالة من الذعر بين بعض الجاليات.

وأكد متحدث باسم إدارة روتو أن الحكومة تتبنى سياسة «عدم التسامح المطلق» مع المضايقات أو الترهيب أو كراهية الأجانب، ودعا المواطنين غير المسجلين من دول شرق أفريقيا، وخصوصًا البورونديين، إلى التسجيل لدى سفارات بلدانهم.

لكن مشاهد الطوابير الطويلة أمام السفارة البوروندية كشفت حجم القلق الذي أحدثته التصريحات الحكومية.

وقال بعض البورونديين لرويترز إنهم شعروا بأنهم مضطرون للعودة إلى بلادهم، فيما عبّر آخرون عن حاجتهم إلى مهلة زمنية للاستعداد أو للعودة عبر الحدود.

بين حماية السوق وخطر كراهية الأجانب

تضع هذه التطورات حكومة روتو أمام اختبار سياسي حساس.

فمن حق أي دولة تنظيم سوق العمل وتحديد الأنشطة الاقتصادية التي تتطلب تصاريح خاصة، كما أن الدخول إلى البلاد لا يعني بالضرورة الحصول على حق العمل فيها. لكن الطريقة التي تُطبق بها هذه السياسات قد تكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت الحملة ستُفهم باعتبارها تنظيمًا قانونيًا لسوق العمل أم حملة تستهدف الأجانب بصورة جماعية.

وقد اتهم منتقدون روتو باستخدام الأجانب كبش فداء للمشكلات الاقتصادية التي تواجهها كينيا، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل، والتي يُتوقع أن يسعى خلالها إلى ولاية ثانية.

ونقلت رويترز عن الناشطة حنيفة عدن قولها إن الحكومات عندما تعجز عن تقديم حلول لأزمة اقتصادية قد تبحث عن «عدو» تلقي عليه المسؤولية.

رسالة كينيا الجديدة

في المحصلة، تبدو رسالة نيروبي واضحة: الأبواب مفتوحة أمام الزوار والمستثمرين، لكنها ليست مفتوحة بلا قيود أمام سوق العمل والتجارة المحلية.

وتريد الحكومة أن تستمر في الاستفادة من السياحة والاستثمار الأجنبي، مع تشديد الرقابة على الأجانب الذين يمارسون التجارة دون التصاريح اللازمة أو يدخلون البلاد بصفة لا تسمح لهم بالنشاط الاقتصادي الذي يقومون به.

لكن التحدي الحقيقي سيكون في تنفيذ هذه السياسة دون تحويلها إلى حالة من التخويف الجماعي للجاليات الأجنبية، ودون أن تتضرر سمعة كينيا باعتبارها مركزًا اقتصاديًا وتجاريًا رئيسيًا في شرق أفريقيا.

فبينما تسعى نيروبي إلى حماية فرص الكينيين في الأسواق الصغيرة، فإنها تحتاج في الوقت نفسه إلى التأكيد أن محاربة المخالفات القانونية لا تعني استهداف الأجانب لمجرد كونهم أجانب.

وفي ظل اقتراب الانتخابات، وتصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، ستبقى سياسة روتو تجاه العمال والتجار الأجانب واحدة من أكثر الملفات حساسية في المشهد السياسي والاقتصادي الكيني.