كينيا تعيد رسم قواعد الوجود العسكري الأجنبي.. نيروبي تساوم لندن على الحصانة والمساءلة

لم تعد كينيا تتعامل مع الوجود العسكري البريطاني على أراضيها باعتباره مسألة أمنية بحتة، بل بدأت تستخدم أدوات القانون والبرلمان والتراخيص العسكرية لإعادة التفاوض حول القواعد التي تحكم عمل القوات الأجنبية، وفي مقدمتها قوات الجيش البريطاني الموجودة في البلاد ضمن وحدة التدريب التابعة للجيش البريطاني في كينيا (BATUK).

وبرز هذا التحول بوضوح في يوليو/تموز 2026، عندما علّقت بريطانيا أحد أبرز تدريباتها العسكرية في كينيا بعد أن حجبت نيروبي التراخيص اللازمة لتدريب القوات في لايكيبيا. وبعد خمسة أيام، توصل البلدان إلى اتفاق سمح باستئناف تمرين Haraka Storm، لكن الأزمة كشفت أن الخلاف الحقيقي لا يتعلق بإجراء عسكري عابر، وإنما بشروط الوجود العسكري البريطاني نفسه.

وتسعى كينيا، خلال المفاوضات الجارية لتجديد اتفاق التعاون الدفاعي مع بريطانيا، إلى تعزيز الاختصاص القضائي الكيني، وتقليص الحصانة الممنوحة للقوات الأجنبية في الجرائم الخطيرة، وفرض آليات أقوى للمساءلة.

 

قضية أغنيس وانجيرو في قلب الخلاف

تعود جذور هذا التحول إلى قضية أغنيس وانجيرو، وهي القضية التي أصبحت رمزًا للمطالبة الكينية بمساءلة الجنود البريطانيين عن الجرائم التي تقع على الأراضي الكينية.

وفي سبتمبر/أيلول 2025، أصدرت محكمة كينية مذكرة توقيف بحق جندي بريطاني سابق على خلفية القضية، قبل أن تعتقله السلطات البريطانية في نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه أثناء اعتراضه على تسليمه إلى كينيا.

وأرست القضية مبدأً بات في صلب النقاشات الحالية: المحاكم الكينية لها ولاية على الجرائم التي تقع داخل أراضيها بغض النظر عن جنسية المتهم.

وتأتي هذه المسألة في صميم المفاوضات المتعلقة بتجديد اتفاق التعاون الدفاعي الذي ينظم وجود BATUK، وهو اتفاق لا يزال قيد التفاوض البرلماني ولم يُحسم بصيغته النهائية.

وكان البرلمان الكيني قد حاول في 2021 إلغاء الحصانة الدبلوماسية الممنوحة لعناصر BATUK، لكن بريطانيا رفضت الخطوة. أما المفاوضات الحالية فتجري في ظروف مختلفة، بعد سنوات من التقاضي والضغط البرلماني وتزايد المطالب الشعبية بالمحاسبة.

 

تراكم الشكاوى حول القوات البريطانية

لا تقتصر القضية على مقتل وانجيرو، فقد تراكمت على مدار سنوات شكاوى أخرى مرتبطة بأنشطة القوات البريطانية في منطقتي لايكيبيا ونانيوكي.

وفي أغسطس/آب 2025، أنهت الحكومة البريطانية تسوية خارج المحكمة بقيمة 2.9 مليون جنيه إسترليني لصالح أكثر من 7700 شخص تضرروا من حريق اندلع في تلال لولدايغا عام 2021، وربطت تقارير الحريق بتدريبات عسكرية بريطانية.

وتراوحت المدفوعات الفردية، وفق المادة، بين نحو 22,500 شلن كيني ومليوني شلن ونصف، بحسب حجم المطالبة. ولم تتضمن التسوية اعترافًا بريطانيًا بالمسؤولية.

كما تشمل الشكاوى قضايا ذخائر غير منفجرة في الأراضي الزراعية، وأضرارًا بيئية ناجمة عن حركة المركبات والتدريبات بالذخيرة الحية، إلى جانب مطالبات من نساء كينيات بالحصول على اعتراف قانوني ونفقات إعالة لأطفال يُزعم أن آباءهم جنود بريطانيون.

وتكشف هذه القضايا، مجتمعة، عن فجوات في الآليات القانونية المتاحة للتعامل مع الآثار التي يتركها الوجود العسكري الأجنبي على المجتمعات المحلية.

 

البرلمان يدخل على خط المواجهة

تحول الضغط من المجتمع المدني إلى المؤسسة التشريعية أيضًا.

وفي أواخر 2025، نشرت لجنة الدفاع والاستخبارات والعلاقات الخارجية في الجمعية الوطنية الكينية نتائج تحقيق استمر عامين، وثقت خلاله مزاعم تتعلق بالاعتداء الجنسي والأضرار البيئية والإهمال المرتبط بالذخائر غير المنفجرة.

وانتقدت اللجنة كذلك رفض مسؤولين في BATUK المثول أمامها بدعوى الحصانة الدبلوماسية، وأوصت بإلغاء الحصانة في الجرائم الخطيرة، وإنشاء آليات واضحة لإثبات الأبوة وتحصيل نفقة الأطفال.

وفي المقابل، قالت المفوضية البريطانية العليا إن إفادتها التي قدمتها إلى التحقيق لم تنعكس في استنتاجات اللجنة، ما يعكس استمرار الخلاف حول كيفية صياغة المسؤولية القانونية للقوات البريطانية.

وقال رئيس اللجنة البرلمانية نيلسون كوتش إن الظروف الحالية تختلف عن تلك التي كانت قائمة في 2021، مؤكدًا أن قضية وانجيرو وغيرها من شكاوى المجتمعات المتضررة عززت الحاجة إلى إدراج ضمانات أقوى للمساءلة في الاتفاق الدفاعي الجديد.

 

التراخيص تتحول إلى أداة ضغط

أظهرت أزمة يوليو/تموز أن الجدل القانوني لم يعد محصورًا في البرلمان والمحاكم، بل تحول إلى أداة ضغط دبلوماسية لها نتائج عسكرية مباشرة.

فعندما حجبت كينيا التراخيص اللازمة لتنفيذ تمرين Haraka Storm، واجهت بريطانيا احتمال إلغاء التدريب أو نقله إلى مكان آخر.

وبعد مفاوضات رفيعة المستوى، أعادت نيروبي إصدار التراخيص، بينما التزمت لندن بالمضي قدمًا في توصيات التحقيق البرلماني الكيني لعام 2025 والعمل مع كينيا على اتفاق دفاعي معدل يتناول الاختصاص القضائي وحصانة القوات والمساءلة الجنائية.

كما طالب مسؤولون كينيون بأن يتضمن الاتفاق الجديد التزامات أقوى في مجال المسؤولية الاجتماعية للشركات والاستثمار في البنية التحتية المحلية.

وهكذا، لم تستخدم كينيا التهديد بطرد القوات البريطانية، بل استخدمت التراخيص والقانون والرقابة البرلمانية للتأثير في شروط استمرار الشراكة.

 

نيروبي لا تريد إنهاء الشراكة

رغم التصعيد، لا تشير المفاوضات إلى رغبة كينية في إنهاء التعاون العسكري مع بريطانيا.

فبريطانيا تعتبر BATUK عنصرًا أساسيًا في الشراكة الأمنية بين البلدين، وتوفر التدريبات في كينيا ظروفًا لا تتوفر للقوات البريطانية داخل المملكة المتحدة، فضلًا عن تعزيز قابلية العمل المشترك مع القوات الكينية ودعم الأمن الإقليمي.

لكن موقف نيروبي يقوم على فكرة مختلفة: استمرار الشراكة لا يعني استمرار القواعد القانونية القديمة.

وتؤكد كينيا أن الوجود العسكري الأجنبي يجب أن يخضع للقانون المحلي عندما يتعلق الأمر بالجرائم التي تقع داخل أراضيها، وأن الاتفاقات الدفاعية يجب أن تتضمن آليات واضحة لمعالجة الأضرار البيئية، وحقوق المجتمعات المحلية، وقضايا الأبوة والنفقة، والجرائم الخطيرة.

 

نموذج مختلف عن دول غرب أفريقيا

يختلف المسار الكيني عن التحولات التي شهدتها دول غرب أفريقيا خلال السنوات الماضية، حيث طالبت حكومات مثل النيجر ومالي وبوركينا فاسو القوات الفرنسية والأميركية بمغادرة أراضيها.

أما كينيا فلا تتجه إلى طرد القوات البريطانية، ولا تقدم المسألة باعتبارها مواجهة أيديولوجية مع قوة استعمارية سابقة.

الضغط الكيني يأتي من البرلمان والمحاكم والمحامين ومنظمات حقوق الإنسان والمجتمعات المتضررة، ويتركز على القواعد القانونية والإجراءات والرقابة.

وبذلك، لا تقول نيروبي إن الوجود العسكري الأجنبي غير مشروع في حد ذاته، بل تقول إن استمراره يجب أن يقترن بإطار قانوني قادر على التعامل مع تبعاته، بما فيها الجرائم والانتهاكات والأضرار التي قد تنتج عنه.

 

هل تصبح كينيا نموذجًا أفريقيًا جديدًا؟

يبقى السؤال الأهم هو ما إذا كانت كينيا ستتمكن من تحويل نفوذها المؤقت إلى إصلاح قانوني دائم.

فإذا نجحت نيروبي في تضمين الاتفاق الجديد ضمانات واضحة بشأن الاختصاص القضائي، وحصانة القوات، والمسؤولية الجنائية، وحماية البيئة، وإعالة الأطفال، والرقابة البرلمانية، فقد تقدم نموذجًا للدول الأفريقية التي تستضيف قوات أجنبية وتريد إعادة التوازن في علاقاتها الدفاعية دون التخلي عن الشراكات الأمنية.

وتتجاوز أهمية هذه القضية حدود كينيا؛ إذ تنطبق الأسئلة ذاتها على الوجود العسكري الأميركي والفرنسي والتركي والإماراتي والروسي وغيره في القارة: من يحاسب القوات الأجنبية عندما تقع جريمة على أرض الدولة المضيفة؟ وأين تنتهي الحصانة وتبدأ سيادة القانون؟

من هنا، تبدو قضية أغنيس وانجيرو وما تبعها من نزاعات بيئية وقانونية نقطة تحول في العلاقة بين كينيا وبريطانيا. فالمسألة لم تعد مجرد خلاف حول تدريب عسكري أو حصانة دبلوماسية، وإنما أصبحت نقاشًا أوسع حول معنى السيادة في عصر الشراكات الأمنية.

وبالنسبة إلى نيروبي، فإن الرسالة التي خرجت من أزمة يوليو واضحة: يمكن للقوات الأجنبية أن تبقى، ويمكن للشراكة الدفاعية أن تستمر، لكن استمرارها لن يكون منفصلًا عن القانون الكيني والمساءلة أمام مؤسسات الدولة.