لماذا تسمح الحكومة الصومالية لتركيا باستغلال احتياطات البلاد النفطية؟
تستعد تركيا لبدء التنقيب عن النفط قبالة سواحل الصومال. فمن المستفيد الأكبر من الشراكة المتنامية بين البلدين في ظل التوترات الإقليمية الأوسع، خاصة تلك المرتبطة بإيران؟
وصلت سفينة التنقيب التركية “تشاغري بي” إلى المياه الصومالية قبالة سواحل مقديشو الأسبوع الماضي، استعدادًا للبحث عن النفط وسط نقص عالمي مستمر بسبب الحرب المرتبطة بإيران.
وتهدف عمليات الحفر إلى الوصول إلى عمق 7500 متر تحت قاع المحيط الهندي، ما يجعلها واحدة من أعمق عمليات التنقيب البحرية في العالم.
وستركز شركة البترول التركية الحكومية على ثلاث مناطق استكشاف بحرية قبالة الساحل الصومالي، تبلغ مساحة كل منها نحو 5000 كيلومتر مربع. ووفقًا لوكالة رويترز، قد يستغرق الوصول إلى الاحتياطات العميقة وبدء الاستخراج حوالي 10 أشهر.
من المستفيد الأكبر من هذه الشراكة؟
قام وزير الموارد المعدنية الصومالي ظاهر شيري محمد ونظيره التركي ألب أرسلان بيرقدار بتوقيع تفاصيل الاتفاق قبل نحو عام.
يرى الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود أن الاتفاق قد يكون نقطة تحول كبرى، حيث قال:
“مواردنا الطبيعية تساوي مليارات – إن لم تكن تريليونات – الدولارات، ويجب ألا تُدار بشكل سيئ.”
وأضاف أنه لولا الصراعات في المنطقة، لكان النفط الصومالي قد وصل إلى الأسواق العالمية منذ وقت طويل، مؤكدًا أن عائدات هذه الموارد “ستعود بالنفع على جميع الصوماليين”.
كما وصف وزير النفط وصول سفينة التنقيب بأنه “يوم تاريخي” وبداية جديدة لاستغلال الموارد الطبيعية.
وقالت النائبة عائشة قوس محمد عمر إن المشروع سيحول “الفقر إلى ازدهار” في الصومال.
وفي شوارع مقديشو، يسود تفاؤل واسع؛ إذ عبّر المواطنون عن آمال كبيرة، حيث قال أحد سائقي الأجرة:
“إذا نجحت عمليات الحفر، فقد تنخفض أسعار الطاقة، ونقلل الاعتماد على الوقود المستورد، ونشهد تحسنًا حقيقيًا في البنية التحتية.”
لكن ماذا ستجني تركيا من ذلك؟
بدأت تركيا تعزيز وجودها في القرن الأفريقي منذ نحو 15 عامًا، عندما قدمت مساعدات إنسانية كبيرة للصومال خلال مجاعة عام 2011.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت الصومال أهم شريك إقليمي لتركيا في أفريقيا.
وفي عام 2024، وقع البلدان اتفاقية لمدة 10 سنوات تشمل التعاون الدفاعي والاقتصادي، تعهدت بموجبها تركيا بحماية السواحل الصومالية التي عانت من القرصنة لعقود.
كما أنشأت تركيا أكبر قاعدة عسكرية لها في الخارج داخل الصومال، حيث تقوم بتدريب الجنود الصوماليين لمواجهة القرصنة والجماعات المسلحة مثل حركة الشباب.
التركيز الآن: النفط
تشير الدراسات الجيولوجية إلى أن الساحل الصومالي يحتوي على نحو 30 مليار برميل من النفط والغاز.
ويرى كثير من الصوماليين أن الدور التركي إيجابي عمومًا، لكن هناك مخاوف تتعلق بكيفية إدارة هذه الموارد الجديدة.
يقول الباحث فولكان إيبيك إن تحرك تركيا نحو الصومال يعكس حاجتها المتزايدة لمصادر طاقة جديدة.
فتركيا، التي يبلغ عدد سكانها نحو 86 مليون نسمة، تعتمد على استيراد حوالي 75% من احتياجاتها من الطاقة، في وقت أصبح فيه شراء الطاقة من روسيا وإيران أكثر صعوبة وتكلفة بسبب التوترات الجيوسياسية.
ومع تدهور الأوضاع في سوريا، وتصاعد النزاعات الإقليمية، والحرب في أوكرانيا، تبحث أنقرة عن بدائل جديدة، خاصة في ظل أزمة معيشية داخلية.
هل تستفيد الصومال فعلاً؟ أم أن تركيا تهيمن؟
يرى بعض الباحثين أن العلاقة بين البلدين مربحة للطرفين، حيث توفر الصومال موقعًا استراتيجيًا مهمًا، بينما تستفيد تركيا اقتصاديًا وتجاريًا.
لكن محللين آخرين يرون أن تركيا قد ترسخت بعمق في الصومال لدرجة أن مصطلحات “شراكة” و”تعاون” لا تعكس الواقع بدقة.
فبحسب تحليل نُشر في موقع Geopolitical Monitor، فإن تركيا باتت تسيطر عمليًا على العديد من الأصول الاقتصادية الاستراتيجية في الصومال، وتموضعت في قلب تدفقات الإيرادات، بشكل يفوق ما تقوم به دول مثل الصين وروسيا.
ويحذر التحليل من أن اعتماد الصومال الكبير على تركيا – في المساعدات، والتنمية، والدعم العسكري، والآن النفط – قد يجعل من الصعب فك هذا الارتباط دون مخاطر كبيرة على مؤسسات الدولة.
الأهمية الاستراتيجية للمشروع
تعكس الإجراءات الأمنية المحيطة بسفينة التنقيب أهمية المشروع بالنسبة لتركيا، حيث ترافقها قوة بحرية تضم ثلاث سفن حربية، إلى جانب طائرات مقاتلة، لضمان حماية العمليات.
الشراكة النفطية بين الصومال وتركيا تحمل فرصًا اقتصادية كبيرة، لكنها في الوقت نفسه تثير تساؤلات حول السيادة، وتقاسم العوائد، ومستقبل النفوذ الأجنبي في البلاد.
دي دبليو