لماذا تواصل الولايات المتحدة خسارة الحروب؟

قراءة في أطروحة ستيفن إم. والت حول اختلال الاستراتيجية الأمريكية

في مقال نشرته مجلة Foreign Policy في 5 أغسطس/آب 2026 بعنوان «لماذا تواصل الولايات المتحدة خسارة الحروب؟»، يقدم أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد والكاتب بالمجلة ستيفن إم. والت قراءة نقدية لمسار الحروب الأمريكية خلال العقود الماضية، محاولًا الإجابة عن سؤال أساسي: كيف يمكن لدولة تمتلك أعظم قوة عسكرية وميزانية دفاعية ضخمة أن تحقق نتائج محدودة أو تنتهي إلى الإخفاق في عدد كبير من حروبها؟

ولا يضع والت تفسيره في ضعف الجيش الأمريكي أو نقص التمويل أو القدرات التقنية، بل يرى أن المشكلة الأساسية استراتيجية وبنيوية: واشنطن، بحسب تحليله، كثيرًا ما تدخل حروبًا لا تتناسب أهدافها فيها مع حجم مصالحها الحيوية.

القوة العسكرية لا تضمن الانتصار

ينطلق والت من مفارقة يعتبرها جوهر المشكلة الأمريكية. فالولايات المتحدة، من وجهة نظره، تمتلك تفوقًا هائلًا في الإنفاق العسكري والتكنولوجيا والقدرة على توجيه ضربات بعيدة المدى، كما أن قواتها المسلحة قادرة على القتال وتحمل المخاطر.

ومع ذلك، فإن سجلها في الحروب الحديثة ليس، بحسب والت، سجل انتصارات حاسمة.

ويضع الكاتب الحرب الكورية في خانة التعادل، بينما يعتبر فيتنام والعراق وأفغانستان أمثلة واضحة على الهزيمة أو الفشل الاستراتيجي. أما حرب كوسوفو عام 1999، فلا يراها انتصارًا أمريكيًا واضحًا، في حين يعتبر حرب الخليج عام 1991 الاستثناء الأبرز في هذا السجل.

ومن هنا ينتقل والت إلى فكرته المركزية: المشكلة ليست أن الولايات المتحدة لا تعرف كيف تخوض الحرب، وإنما أنها كثيرًا ما تختار الحرب الخطأ والهدف الخطأ.

أهداف ضخمة ومصالح محدودة

بحسب والت، تكمن المعضلة في أن واشنطن تدخل أحيانًا حروبًا ذات أهمية محدودة نسبيًا للمصالح الأمريكية المباشرة، لكنها تضع لنفسها أهدافًا طموحة للغاية.

ومن أمثلة ذلك محاولة إعادة تشكيل المجتمعات والدول الأجنبية وفق النموذج الأمريكي، أو تحويل العمليات العسكرية إلى مشاريع سياسية طويلة الأمد.

وهنا يظهر ما يسميه والت اختلالًا بين المصلحة والهدف: فالدولة التي تتعرض للحرب قد تعتبر المعركة مسألة وجود أو استقلال، بينما تكون بالنسبة إلى الولايات المتحدة قضية استراتيجية مهمة، لكنها ليست بالضرورة مسألة حياة أو موت.

وهذا الفارق، في نظر الكاتب، يمنح الطرف الأضعف ميزة مهمة: الإرادة والاستعداد لتحمل الخسائر والوقت الطويل.

لماذا يستطيع الطرف الأضعف الصمود؟

يرى والت أن الحروب غير المتكافئة لا تُحسم دائمًا بتدمير القوة العسكرية للطرف الأضعف.

ففي مثل هذه الصراعات، قد يكون هدف الطرف الأقوى هو تحقيق انتصار واضح خلال فترة زمنية محددة، بينما يكفي الطرف الأضعف أن يبقى صامدًا وألا يخسر بصورة نهائية.

ومع مرور الوقت، تصبح كلفة الحرب بالنسبة للقوة الكبرى أكثر وضوحًا، بينما يحتفظ الطرف الذي يقاتل دفاعًا عن أرضه أو استقلاله بحافز أكبر للاستمرار.

وهكذا، لا يحتاج الطرف الأضعف بالضرورة إلى هزيمة الجيش الأمريكي ميدانيًا؛ يكفيه، وفق منطق والت، أن يجعل تحقيق الأهداف الأمريكية أكثر كلفة من الفائدة التي يمكن أن تجنيها واشنطن منها.

كوريا: عندما اصطدمت المصالح الأمريكية بالمخاوف الصينية

يستشهد والت بالحرب الكورية لتوضيح هذه الفكرة.

فقد كانت للولايات المتحدة مصالح مهمة في شبه الجزيرة الكورية خلال الحرب الباردة، لكن الصين رأت أن محاولة توحيد كوريا تحت سلطة حليفة لواشنطن تمثل تهديدًا بالغ الخطورة لأمنها.

ولهذا، بحسب والت، كانت الصين مستعدة لتقديم تضحيات هائلة لمنع هذه النتيجة.

وانتهت الحرب بعد ثلاث سنوات دون انتصار حاسم لأي طرف، وهو ما يراه الكاتب مثالًا على أن قوة الدافع لدى الخصم قد تعادل أو تتفوق على التفوق العسكري الأمريكي.

فيتنام: القومية أمام القوة الأمريكية

وفي فيتنام، يركز والت على عامل القومية.

فالحركة الشيوعية الفيتنامية لم تكن، في تحليله، مجرد قوة أيديولوجية، بل كانت مرتبطة أيضًا بتاريخ طويل من مقاومة القوى الأجنبية، وكانت قد واجهت الاستعمار الفرنسي قبل دخول الولايات المتحدة إلى الحرب.

ويرى والت أن واشنطن حاولت تقديم منع انتصار الشيوعيين باعتباره مصلحة حيوية، مستندة إلى نظرية «الدومينو» ومخاوف فقدان المصداقية الأمريكية.

لكن استمرار الحرب وتزايد كلفتها السياسية والبشرية أدى في النهاية إلى تراجع التأييد الشعبي الأمريكي، ثم الانسحاب، قبل أن تنتصر هانوي لاحقًا.

وبذلك، فإن التفوق العسكري لم يتحول إلى انتصار سياسي.

العراق: إسقاط النظام كان أسهل من إدارة ما بعده

يعتبر والت حرب العراق عام 2003 نموذجًا آخر على الخلل بين سهولة تحقيق الهدف العسكري الأول وصعوبة تحقيق الأهداف السياسية اللاحقة.

فإسقاط نظام صدام حسين لم يكن، بحسب الكاتب، المهمة الأصعب. لكن المشكلة بدأت بعد ذلك، عندما تحولت الحرب إلى احتلال وصراع مع مقاومة مسلحة رافضة للوجود الأجنبي.

ويؤكد والت أن العراق لم يكن يمثل، في تقديره، تهديدًا حيويًا للولايات المتحدة في عام 2003، وأن بغداد كانت في وضع احتواء، كما أن صدام حسين لم يكن مرتبطًا بهجمات 11 سبتمبر.

ومن هنا ينتقد والت التصور الذي ساد في أوساط المحافظين الجدد بأن إسقاط النظام العراقي يمكن أن يكون بداية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط وتحويله إلى مجموعة من الديمقراطيات الصديقة لواشنطن.

فالهدف، في نظره، كان أكبر بكثير من المصلحة الأمريكية المباشرة.

أفغانستان: من مكافحة الإرهاب إلى بناء الدولة

أما أفغانستان، فيرى والت أن الولايات المتحدة كانت تمتلك سببًا واضحًا للتدخل بعد هجمات 11 سبتمبر وملاحقة أسامة بن لادن وحركة طالبان التي استضافته.

لكن الخطأ، في تحليله، وقع عندما تحول الهدف من مكافحة تنظيم القاعدة إلى إعادة بناء أفغانستان وفق نموذج ديمقراطي غربي.

ويصف والت هذا التحول بأنه مزيج من الجهل والمثالية وضعف الأهمية الاستراتيجية طويلة الأمد.

فكلما طال الوجود الأمريكي، أصبحت واشنطن تواجه مقاومة محلية ترى إخراج القوات الأجنبية هدفًا أهم من قدرة الولايات المتحدة على تحقيق مشروعها السياسي.

والنتيجة، وفق الكاتب، كانت حربًا طويلة انتهت بقرار الانسحاب الأمريكي.

الخليج 1991: الاستثناء الذي يؤكد القاعدة

يقدم والت حرب الخليج عام 1991 باعتبارها المثال الأوضح على نجاح الاستراتيجية الأمريكية عندما تتطابق الأهداف مع المصالح.

فالعراق احتل الكويت، وكانت واشنطن تخشى أن يؤدي استمرار الاحتلال إلى تغيير ميزان القوى في الخليج وخلق سابقة خطيرة للعدوان الدولي.

لكن الأهم، بحسب والت، أن الرئيس الأمريكي آنذاك جورج بوش الأب لم يوسع الحرب إلى هدف إسقاط نظام صدام حسين واحتلال بغداد.

اقتصر الهدف على إخراج القوات العراقية من الكويت وإضعاف قدرات العراق العسكرية وفرض ترتيبات رقابية على برامجه التسليحية.

وهنا يرى والت جوهر النجاح: هدف محدد، ومصلحة واضحة، وقدرة على إنهاء الحرب فور تحقيق الهدف.

المشكلة ليست في القوة بل في استخدامها

يصل والت من خلال هذه الأمثلة إلى خلاصة أوسع: القوة الأمريكية الهائلة قد تكون نفسها جزءًا من المشكلة.

فالتفوق العسكري يجعل التدخل في أزمات بعيدة أسهل، وقد يدفع صانعي القرار إلى الاعتقاد بأن الحرب ستكون قصيرة وحاسمة.

لكن القدرة على بدء الحرب لا تعني القدرة على التحكم في نتائجها.

وكلما توسعت الأهداف من تدمير قوة عسكرية إلى إعادة بناء دولة أو تغيير مجتمع، أصبحت المهمة أكثر تعقيدًا، خصوصًا عندما يواجه الجيش الأمريكي خصمًا يعتبر الحرب معركة من أجل البقاء أو الاستقلال.

هل تتكرر الأخطاء؟

ينتقل والت في الجزء الأخير من مقاله إلى مسألة أخرى يرى أنها لا تقل أهمية عن سوء تقدير الأهداف: عدم استعداد النخبة الأمريكية للاعتراف بالأخطاء.

ويستشهد بموقف الباحث الأمريكي روبرت كاغان، الذي كان من أبرز المؤيدين لحرب العراق عام 2003، ثم انتقد لاحقًا حرب ترامب على إيران.

وعندما سُئل كاغان عن مدى اعتباره حرب العراق خطأ، أبدى تحفظًا على أهمية الاعتراف بذلك، معتبرًا أن الاعتراف لن يعيد من فقدوا حياتهم.

يستخدم والت هذه الحالة للدلالة على مشكلة أوسع في دوائر السياسة الخارجية الأمريكية: غياب المحاسبة الفكرية والسياسية الكافية بعد الإخفاقات.

فإذا لم يعترف صانعو القرار بأخطاء التقدير، يصبح من الصعب استخلاص الدروس التي تمنع تكرارها.

الخلاصة: واشنطن لا تخسر لأنها ضعيفة

الفكرة الأساسية التي يدافع عنها ستيفن إم. والت في مقاله ليست أن الولايات المتحدة قوة عسكرية ضعيفة، بل العكس تمامًا.

فالقوة الأمريكية، من وجهة نظره، هائلة، لكن القوة وحدها لا تحدد نتيجة الحرب.

المعضلة تبدأ عندما تستخدم واشنطن هذه القوة لتحقيق أهداف تتجاوز مصالحها الحيوية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بإعادة تشكيل مجتمعات أجنبية أو فرض ترتيبات سياسية لا تحظى بقبول محلي.

وبينما تستطيع الولايات المتحدة تدمير أهداف عسكرية بكفاءة، فإن تحويل ذلك التفوق إلى انتصار سياسي مستدام أكثر صعوبة بكثير.

ولهذا يخلص والت إلى أن السؤال الصحيح ليس: هل تستطيع الولايات المتحدة الانتصار في الحرب؟ بل: هل كان ينبغي لها أن تخوض هذه الحرب أصلًا، وهل يتناسب الهدف الذي تقاتل من أجله مع مصالحها الحقيقية؟

ومن هذا المنظور، تصبح حرب الخليج عام 1991 نموذجًا للاستثناء الناجح، بينما تصبح فيتنام والعراق وأفغانستان أمثلة على حرب بدأت بقدرات عسكرية هائلة وانتهت إلى نتائج أقل بكثير من الطموحات التي وضعتها واشنطن لنفسها.