من إغلاق القنوات إلى تقييد المنصات الرقمية.. كيف تتحول شركات التكنولوجيا الكبرى إلى أدوات للسيطرة الحكومية في كينيا؟

لم تعد الرقابة الحكومية على المعلومات في كينيا تقتصر على إغلاق القنوات التلفزيونية أو منع وسائل الإعلام من نقل الاحتجاجات، بل امتدت إلى حجب منصات التواصل الاجتماعي، وتقييد الوصول إلى الإنترنت، والسعي إلى إخضاع شركات التكنولوجيا الكبرى لنفوذ السلطات عبر التشريعات والاشتراطات التنظيمية. ويكشف هذا التحول عن معركة متصاعدة حول حرية التعبير والحق في الوصول إلى المعلومات، خصوصًا مع اعتماد الشباب الكيني على المنصات الرقمية في تنظيم الاحتجاجات ونقل الأحداث.

وفي تقرير نشره موقع «غلوبال فويسز» في 21 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تعرض الكاتبة غريس كوباري سلسلة من الإجراءات الحكومية التي ترى أنها تعكس انتقال السيطرة على المجال العام من وسائل الإعلام التقليدية إلى البنية الرقمية التي يعتمد عليها المواطنون للتواصل والتعبير عن آرائهم.

من إغلاق القنوات التلفزيونية إلى قطع الإنترنت

تعود إحدى أبرز محطات التضييق الإعلامي في كينيا إلى 30 يناير/كانون الثاني 2018، حين أغلقت السلطات أجهزة البث التابعة لثلاث قنوات تلفزيونية، هي KTN وNTV وCitizen TV، أثناء نقلها مراسم أداء رايلا أودينغا اليمين بصورة رمزية في العاصمة نيروبي. وبررت وزارة الداخلية الإجراء باعتبارات أمنية، وظلت القنوات متوقفة عدة أيام قبل أن تعود إلى البث بصورة كاملة في 9 فبراير/شباط من العام نفسه.

لكن أدوات السيطرة تطورت لاحقًا مع انتقال جانب متزايد من النشاط السياسي والاحتجاجي إلى الإنترنت. ففي يونيو/حزيران 2024، تزامن الاحتجاج على الضرائب مع انقطاع الإنترنت في البلاد لنحو سبع ساعات، بحسب التقرير. كما رُصد حجب النسخة الإلكترونية من تطبيق «تلغرام» عبر ثلاث شبكات على الأقل، قبل رفع الحجب في اليوم نفسه.

وتكرر استهداف المنصات خلال احتجاجات يونيو/حزيران 2025، عندما أصدرت هيئة الاتصالات توجيهات إلى المؤسسات الإعلامية بوقف البث المباشر لأحداث الاضطرابات، بالتزامن مع حجب «تلغرام» مجددًا. وأشارت منظمة «أكسس ناو» المعنية بالحقوق الرقمية إلى أن حجب التطبيق خالف أمرًا قضائيًا صادرًا عن المحكمة العليا الكينية يحظر التدخل في الوصول إلى الإنترنت و«تلغرام».

وتعكس هذه الوقائع تحولًا في طبيعة الرقابة؛ فبدل الاكتفاء بمنع وسيلة إعلامية من نقل حدث، أصبح بالإمكان تعطيل قنوات التواصل التي يستخدمها المحتجون لتبادل المعلومات وتنسيق تحركاتهم وتوثيق ما يجري على الأرض.

تراجع حرية الإنترنت واتساع الظاهرة إفريقيًا

لم تكن كينيا حالة معزولة عن محيطها الإفريقي. فقد أفاد تقرير منظمة «فريدوم هاوس» لعام 2025 بأن حرية الإنترنت تراجعت عالميًا للعام الخامس عشر على التوالي، كما سجلت كينيا أشد تراجع بين الدول الـ72 التي شملها التقييم خلال الفترة المدروسة.

وبحسب تقرير منظمة «أكسس ناو» عن انقطاعات الإنترنت في عام 2025، شهد العالم ما لا يقل عن 313 حالة إغلاق أو تعطيل للإنترنت، فيما سجلت إفريقيا 30 حالة انقطاع في 15 دولة، وكانت الاحتجاجات السبب الأكثر شيوعًا، تليها الانتخابات.

وتقدم تنزانيا وأوغندا مثالين على هذا الاتجاه. ففي تنزانيا، فرضت السلطات انقطاعًا للإنترنت عقب اندلاع احتجاجات مرتبطة بانتخابات 29 أكتوبر/تشرين الأول 2025، ولم يبدأ تخفيفه جزئيًا إلا في 4 نوفمبر/تشرين الثاني، بالتزامن مع إجراءات حظر التجول.

أما في أوغندا، فقد أمرت هيئة تنظيم الاتصالات بتعليق الوصول العام إلى الإنترنت على مستوى البلاد ابتداءً من مساء 13 يناير/كانون الثاني 2026، قبل الانتخابات العامة بيومين. كما ظل الحظر المفروض على «فيسبوك» منذ عام 2021 قائمًا حتى عام 2026، فيما عطلت شركة «ستارلينك» محطاتها في البلاد بعد أمر حكومي بإيقاف الخدمة بدعوى عدم الترخيص.

وتشير هذه الحالات إلى أن تعطيل الإنترنت لم يعد مجرد إجراء استثنائي مرتبط بظروف أمنية، بل أصبح أداة يمكن اللجوء إليها في لحظات سياسية حساسة، عندما تتزايد قدرة المواطنين على التنظيم وتداول المعلومات خارج القنوات الإعلامية التقليدية.

تشريعات الجرائم الإلكترونية تفتح بابًا جديدًا للرقابة

في كينيا، لم تتوقف الضغوط عند قطع الاتصال أو حجب التطبيقات، بل امتدت إلى محاولة تقنين سلطات أوسع للتحكم في المحتوى الرقمي.

ففي أكتوبر/تشرين الأول 2025، وقّع الرئيس ويليام روتو تعديلات على قانون إساءة استخدام الحاسوب والجرائم الإلكترونية. وحذرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» من أن التعديلات قد تجرّم أشكالًا مشروعة من التعبير عبر الإنترنت، كما وسعت صلاحيات اللجنة الوطنية لتنسيق الحاسوب والجرائم الإلكترونية، المعروفة اختصارًا باسم NC4، بما يسمح بفرض قيود على الوصول إلى مواقع إلكترونية وتطبيقات.

غير أن القضاء الكيني تدخل للحد من هذه الصلاحيات؛ إذ علقت المحكمة العليا في نيروبي أجزاء أساسية من القانون بعد نحو أسبوع من توقيعه. وبحلول يوليو/تموز 2026، كانت المحكمة قد قضت بعدم دستورية الصلاحيات المتعلقة بحجب المواقع، وفقًا لما أورده التقرير.

وتبرز أهمية هذه التطورات في أن الصراع لم يعد يدور حول قرار حكومي منفرد، بل حول الحدود القانونية التي ينبغي ألا تتجاوزها الدولة عند تنظيم الفضاء الرقمي. فوجود تشريع لمكافحة الجرائم الإلكترونية لا يعني بالضرورة أن كل صلاحية تمنحها السلطات لنفسها تتوافق مع حرية التعبير أو الضمانات الدستورية.

شركات التكنولوجيا بين حماية المستخدمين والامتثال للحكومات

تتخذ الضغوط على المجال الرقمي شكلًا آخر عبر التأثير في خوارزميات المنصات نفسها. فقد وثقت منظمة العفو الدولية، في تقرير نشرته في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، حملة منسقة بين يونيو/حزيران 2024 ويوليو/تموز 2025 استُخدمت فيها وسائل التواصل الاجتماعي والأدوات الرقمية لمواجهة احتجاجات قادها شباب كينيون.

وأشار التقرير إلى أن منصة «إكس» كانت مركزية في نشاط شبكات مؤيدة للحكومة، إذ أعادت حسابات نشر رسائل متطابقة بصورة متكررة بهدف التأثير في خوارزميات المنصة وتوجيه النقاش العام. كما قالت المنظمة إن المنصة أخفقت في التعامل مع حملات منظمة تخالف سياساتها.

وبحسب شهادات أوردتها منظمة العفو الدولية، كان بعض المشاركين في هذه الشبكات يتلقون مبالغ تتراوح بين 25 ألفًا و50 ألف شلن كيني يوميًا، أي نحو 192 إلى 385 دولارًا، مقابل دفع رسائل مؤيدة للحكومة إلى قوائم الموضوعات الرائجة.

وتكشف هذه الممارسات عن وجه آخر للسيطرة الرقمية؛ إذ لا تتطلب الرقابة دائمًا حجب المحتوى أو قطع الاتصال، فقد تتحقق أيضًا من خلال إغراق المنصات برسائل موجهة، والتأثير في ترتيب المعلومات، ومحاولة تشكيل الانطباع العام بشأن الاحتجاجات والمطالب السياسية.

وفي الوقت نفسه، تسعى الحكومة الكينية إلى فرض حضور قانوني ومادي أكثر مباشرة على شركات التكنولوجيا الكبرى. فقد أعلن وزير الدولة لشؤون تكنولوجيا المعلومات والاتصالات أمام مجلس الشيوخ أن منصة «إكس» مطالبة بإنشاء مكتب فعلي في كينيا خلال ثلاثة أشهر، وإلا فقد تواجه فقدان الموافقة على تشغيلها. ويمتد التوجه إلى شركتي «ميتا» المالكة لفيسبوك وإنستغرام، و«تيك توك»، مع منح هيئة الاتصالات صلاحيات لتعليق خدمات المنصات غير الممتثلة.

وتقول الحكومة إن هذه الخطوات تستهدف تعزيز حماية الأطفال على الإنترنت. لكن مجموعات حقوقية حذرت من أن وجود مكاتب محلية قد يتيح للسلطات ممارسة ضغوط مباشرة على موظفي الشركات، أو المطالبة بإزالة محتوى دون شفافية كافية بشأن هذه الطلبات وأسبابها.

وهنا تظهر المعضلة الأساسية أمام شركات التكنولوجيا: هل تتمسك بحرية المستخدمين وحقوقهم الرقمية حتى لو أدى ذلك إلى مواجهة السلطات وخسارة جزء من السوق، أم تستجيب للمطالب الحكومية حفاظًا على مصالحها التجارية؟

معركة على من يملك المجال العام

تكشف التجربة الكينية أن السيطرة على المعلومات تتطور بالتوازي مع تطور الوسائل التي يستخدمها المجتمع للتواصل والتنظيم. فبعد إغلاق القنوات التلفزيونية عام 2018، اتجهت السلطات إلى تعطيل الإنترنت وحجب المنصات خلال الاحتجاجات، ثم إلى توسيع الصلاحيات القانونية، وأخيرًا إلى محاولة فرض شروط أكثر مباشرة على شركات التكنولوجيا العالمية.

ومع ذلك، فإن تدخل القضاء ضد بعض الإجراءات الحكومية يدل على أن المؤسسات القانونية لا تزال تمثل ساحة مهمة لمقاومة التوسع في سلطات الرقابة. لكن الأحكام القضائية وحدها لا تضمن حماية المجال الرقمي إذا لم تلتزم السلطات بها، وإذا لم تتحمل الشركات مسؤوليتها في الدفاع عن حقوق مستخدميها.

وتتجاوز القضية كينيا إلى سؤال أوسع يواجه الدول والمجتمعات في إفريقيا والعالم: من يملك القدرة على التحكم في المعلومات التي تصل إلى المواطنين، وفي الوسائل التي يستخدمونها للتعبير عن آرائهم وتنظيم تحركاتهم؟

فحين تصبح المنصات الرقمية خاضعة لضغوط الحكومات، أو تتحول قوانين الجرائم الإلكترونية إلى أدوات لتقييد التعبير المشروع، لا يعود الخطر مقتصرًا على حجب تطبيق أو تعطيل موقع، بل يمتد إلى قدرة المجتمع على مراقبة السلطة ومحاسبتها وتداول المعلومات بحرية.