ناقلات سعودية تغيّر مسارها حول إفريقيا لتجنب الحصار اليمني

مخاوف أمنية تدفع ناقلات نفط سعودية إلى سلوك طريق أطول بنحو 25 يومًا، وسط تصاعد التوتر في البحر الأحمر وتراجع حركة السفن في مضيق هرمز.

بدأت ناقلات نفط سعودية بتغيير مساراتها البحرية لتجنب المرور عبر مضيق باب المندب، في مؤشر جديد على التداعيات المتزايدة للتوتر العسكري في المنطقة على حركة الطاقة والتجارة العالمية.

وبحسب بيانات تتبع السفن التي نقلتها رويترز في 3 أغسطس/آب 2026، غيّرت ست ناقلات عملاقة ترفع العلم السعودي مسارها في خليج عدن خلال الأيام الأخيرة، واتجهت جنوبًا حول القارة الإفريقية بدلًا من العودة إلى السعودية عبر البحر الأحمر وباب المندب. وكانت الناقلات في طريق عودتها فارغة بعد إيصال شحنات من النفط إلى مشترين في آسيا.

وتعني الرحلة الجديدة سلوك طريق يمر جنوب إفريقيا ثم المحيط الأطلسي والبحر المتوسط وصولًا إلى قناة السويس، بدلًا من المسار الأقصر عبر باب المندب والبحر الأحمر. ووفق حسابات رويترز، فإن هذا التحويل يضيف نحو 25 يومًا إلى الرحلة، بما يرفع كلفة النقل ويطيل زمن عودة الناقلات إلى الموانئ السعودية.

وتستطيع كل واحدة من هذه الناقلات العملاقة نقل نحو مليوني برميل من النفط الخام، ما يجعل تغيير مسارها ذا أهمية تتجاوز مجرد قرار ملاحي فردي، خصوصًا مع استمرار المخاوف بشأن سلامة السفن المرتبطة بالسعودية.

 

باب المندب يتحول إلى نقطة ضغط

يأتي هذا التطور بعد إعلان جماعة الحوثيين في اليمن، في 20 يوليو/تموز، فرض حظر بحري على السفن المرتبطة بالسعودية، في سياق تصعيد إقليمي متسارع.

وقد انعكس التهديد سريعًا على قرارات شركات النقل. ففي مطلع أغسطس، أظهرت بيانات الملاحة أن ناقلتين تحملان نفطًا سعوديًا تمكنتا من عبور باب المندب، لكنهما فعلتا ذلك مع إيقاف أجهزة التعريف الآلي الخاصة بهما، في خطوة تعكس ارتفاع مستوى الحذر لدى مشغلي الناقلات.

كما أظهرت بيانات حديثة أن حركة السفن في باب المندب شهدت تراجعًا، وإن لم تتوقف الملاحة فيه بالكامل. وفي المقابل، واصلت سفن الحاويات استخدام المضيق؛ إذ تشير بيانات Lloyd’s List Intelligence إلى أن 58 سفينة حاويات عبرته خلال الأسبوع من 20 إلى 26 يوليو، وهو أعلى مستوى أسبوعي خلال شهر، ما يشير إلى أن التأثير الأكبر حتى الآن يتركز على السفن المرتبطة بالسعودية وقطاع ناقلات النفط.

 

أزمة تمتد إلى مضيق هرمز

ولا تأتي أزمة باب المندب بمعزل عن اضطراب آخر في أحد أهم الممرات البحرية العالمية، هو مضيق هرمز.

فبحسب بيانات حركة الملاحة التي أوردتها Lloyd’s List، تراجعت حركة ناقلات النفط عبر هرمز بنحو 80% تقريبًا خلال الأسبوع الذي بدأ في 20 يوليو مقارنة بالأسبوع السابق، بعدما كانت نحو 110 عمليات عبور مسجلة في الأسبوع الذي بدأ في 29 يونيو، ثم تراجعت إلى 88 في الأسبوع التالي، قبل أن تهبط إلى 47 ثم 24 سفينة في الأسابيع اللاحقة.

ويكتسب هذا التراجع أهمية استثنائية لأن مضيق هرمز وباب المندب يشكلان معًا عقدتين أساسيتين في شبكة نقل الطاقة بين الخليج والأسواق الآسيوية والأوروبية.

ومع اضطراب المرور في هرمز، ازدادت أهمية موانئ النفط السعودية على البحر الأحمر، ولا سيما ينبع، باعتبارها منفذًا بديلًا لصادرات المملكة. لكن المخاطر التي تواجه السفن السعودية في باب المندب تضع هذا المسار نفسه أمام اختبار صعب. وكانت شركات التكرير الآسيوية قد بدأت بالفعل في دراسة مسارات بديلة لنقل الخام السعودي عبر قناة السويس أو حول إفريقيا بسبب المخاطر الأمنية.

 

كلفة جيوسياسية واقتصادية متصاعدة

اللافت في التطورات الأخيرة أن الأزمة لا تعني بالضرورة توقف صادرات النفط السعودية، وإنما إعادة رسم طرق وصولها إلى الأسواق. فالناقلات تستطيع الالتفاف حول إفريقيا، لكنها تدفع ثمن ذلك في صورة أيام إضافية في البحر، واستهلاك أكبر للوقود، وارتفاع تكاليف التشغيل والتأمين.

وفي الوقت نفسه، بدأت سوق التأمين البحري في التعامل مع المناطق القريبة من الموانئ السعودية باعتبارها أكثر خطورة، ما قد يضيف أعباء مالية جديدة على عمليات نقل النفط.

وهكذا يتحول باب المندب من مجرد ممر بحري إلى ورقة ضغط جيوسياسية مؤثرة في حركة الطاقة. فكلما زادت المخاطر أمام السفن السعودية، زادت الحاجة إلى طرق أطول وأكثر تكلفة، بينما يؤدي اضطراب هرمز بالتوازي إلى تضييق الخيارات أمام تجارة النفط والغاز.

ورغم أن حركة سفن الحاويات عبر باب المندب لم تشهد حتى الآن تحولًا واسعًا نحو الالتفاف حول إفريقيا، فإن استمرار استهداف السفن المرتبطة بالسعودية قد يوسع دائرة المخاطر، خصوصًا إذا امتدت تداعيات الأزمة إلى شركات النقل والتأمين والأسواق العالمية.

وبذلك، لا تبدو المسألة مجرد تغيير في مسار عدد من الناقلات؛ بل جزءًا من أزمة ممرات بحرية متشابكة، تجعل البحر الأحمر وباب المندب ومضيق هرمز ساحات رئيسية لتحديد كلفة وأمن تدفق الطاقة والتجارة بين الشرق والغرب.