هدنة هشة في جنوب لبنان وسط دمار واسع ومخاوف من استمرار التصعيد

دخلت الهدنة بين الاحتلال الإسرائيلي ولبنان حيّز التنفيذ في ظل واقع ميداني معقّد، يثير شكوكًا واسعة حول مدى صمودها، خاصة بعد تصعيد عسكري إسرائيلي مكثف سبق إعلان وقف إطلاق النار بساعات، واستمرار الانتهاكات بعد دخوله حيز التنفيذ.

ففي خطوة لافتة، دمرت القوات الإسرائيلية آخر الجسور التي تربط جنوب لبنان ببقية الأراضي اللبنانية، وتحديدًا فوق نهر الليطاني، ما أدى إلى عزل المنطقة بشكل شبه كامل. ويأتي ذلك ضمن سياسة عسكرية بدأت منذ الأيام الأولى للحرب، استهدفت البنية التحتية الحيوية، بالتزامن مع أوامر إخلاء واسعة للسكان من الجنوب نحو الشمال.

 

كارثة إنسانية وتعقيدات العودة

هذا التطور يضع مئات آلاف النازحين أمام واقع غامض، حيث لا تقتصر التحديات على المخاوف الأمنية، بل تشمل أيضًا صعوبات لوجستية حادة في العودة، نتيجة تدمير الجسور والطرق، فضلًا عن حجم الدمار الكبير الذي طال القرى والمنازل.

وبحسب تقديرات أولية، أسفرت الحرب عن مقتل أكثر من 2100 شخص، وإصابة الآلاف، إضافة إلى نزوح ما يزيد عن مليون لبناني، في واحدة من أكبر موجات النزوح التي شهدها البلد في تاريخه الحديث.

ودعا رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري السكان إلى التريث في العودة إلى مناطقهم، في ظل غموض الوضع الميداني، وعدم وضوح مدى التزام “إسرائيل” ببنود الهدنة.

 

ثغرات قانونية تهدد الهدنة

في السياق ذاته، أثار بيان صادر عن وزارة الخارجية الأمريكية مخاوف إضافية، بعدما تضمّن بندًا يمنح إسرائيل حق “الدفاع عن النفس” في أي وقت ضد ما تعتبره تهديدات. ويرى مراقبون أن هذه الصياغة قد تُستخدم كغطاء قانوني لمواصلة العمليات العسكرية، كما حدث في اتفاقات سابقة.

وبالفعل، لم تمضِ ساعات على بدء سريان الهدنة، حتى أعلن الجيش اللبناني تسجيل عدة خروقات إسرائيلية، شملت غارات جوية وقصفًا متقطعًا استهدف عددًا من القرى الجنوبية.

 

تصعيد قبل التهدئة

وقبيل بدء وقف إطلاق النار، كثفت إسرائيل غاراتها الجوية على مناطق مختلفة في لبنان، فيما ردّ حزب الله بإطلاق صواريخ باتجاه مواقع إسرائيلية في الشمال. كما تشير المعطيات إلى أن تل أبيب تسعى إلى فرض واقع عسكري جديد في الجنوب، قد يشمل بقاء قواتها لفترة طويلة، ومنع عودة بعض السكان، خاصة في المناطق ذات الأغلبية الشيعية.

 

مستقبل غامض

في ظل هذه التطورات، تبدو الهدنة الحالية أقرب إلى “وقف مؤقت لإطلاق النار” منها إلى اتفاق مستدام، خاصة مع استمرار التوترات الميدانية، وغياب ضمانات حقيقية لوقف التصعيد.

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة ستشهد اختبارًا حقيقيًا لمدى التزام الأطراف، وسط مخاوف من أن تتحول الهدنة إلى مجرد محطة عابرة في صراع مفتوح، لا تزال تداعياته الإنسانية والسياسية تتفاقم.

رغم الإعلان عن وقف إطلاق النار، فإن الوقائع على الأرض تشير إلى هشاشة الاتفاق، في ظل الدمار الواسع، واستمرار الانتهاكات، وتعقيدات عودة النازحين. وبين آمال التهدئة ومخاطر التصعيد، يبقى جنوب لبنان أمام مرحلة دقيقة، قد تحدد ملامح الاستقرار أو الانزلاق نحو جولة جديدة من العنف.