هل تستفيد واشنطن من اضطراب جنوب آسيا لتشديد الخناق على طهران؟
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع التوترات الجيوسياسية من الخليج إلى جنوب آسيا، ما يطرح تساؤلًا مشروعًا: هل يمكن أن تستثمر الولايات المتحدة أي اضطراب أمني بين باكستان وأفغانستان لتعزيز الضغوط على إيران؟
رغم غياب مؤشرات علنية على وجود تنسيق مباشر بين هذه الملفات، فإن منطق العلاقات الدولية لا يقوم فقط على الروابط المعلنة، بل أيضًا على استثمار البيئات الاستراتيجية المتغيرة.
بيئة ضغط متعددة الاتجاهات
إيران دولة ذات موقع جغرافي حساس، تحيط بها بؤر توتر في الخليج والعراق والقوقاز وآسيا الوسطى. أي تصعيد أمني على حدودها الشرقية — ولو لم تكن طرفًا مباشرًا فيه — يضيف عنصر ضغط جديدًا إلى حساباتها الأمنية.
في هذا السياق، قد تجد واشنطن في حالة عدم الاستقرار بين إسلام آباد وكابول عاملًا يشتت جزءًا من الاهتمام الإيراني، خصوصًا إذا تطلب الأمر تعزيز المراقبة الحدودية أو الاستعداد لاحتمالات تسلل جماعات مسلحة أو اضطرابات عابرة للحدود.
العقوبات في بيئة مضطربة
تعتمد طهران خلال السنوات الأخيرة على شبكات تجارية إقليمية لتخفيف أثر العقوبات. الاضطراب الأمني في جنوب آسيا قد يؤدي إلى:
-
تعقيد بعض المسارات اللوجستية غير المباشرة.
-
رفع كلفة التأمين والنقل.
-
زيادة الحذر المصرفي في التعاملات العابرة للحدود.
في هذه الحالة، لا تحتاج واشنطن إلى تصعيد عسكري؛ إذ يكفي تشديد تطبيق العقوبات والاستفادة من بيئة إقليمية أكثر هشاشة لزيادة العزلة الاقتصادية.
إعادة التموضع الأمني والدبلوماسي
تستطيع الولايات المتحدة كذلك توظيف أي اضطراب أمني لتعزيز خطاب “الاستقرار الإقليمي”، ما يمنحها مبررًا لتوسيع التنسيق الأمني مع شركائها في المنطقة. كلما ارتفع منسوب القلق الأمني، زادت قابلية الدول للتعاون مع القوى الكبرى في مجالات المراقبة والضبط الحدودي والاستخبارات.
وبالنسبة لطهران، فإن اتساع دائرة التنسيق الأمني حولها يعني تضييق المساحات الرمادية التي تتحرك فيها سياسيًا واقتصاديًا.
حدود الاستفادة
مع ذلك، تبقى هذه الفرضية ضمن نطاق الاحتمال النظري. فباكستان تمتلك حساباتها المستقلة، وأي فوضى واسعة في جنوب آسيا قد تنعكس سلبًا على المصالح الأمريكية أيضًا، خصوصًا في ما يتعلق بمكافحة الإرهاب أو الاستقرار النووي في المنطقة.
كما أن الضغط المفرط قد يدفع إيران إلى تعميق شراكاتها مع قوى دولية أخرى، ما يعيد تشكيل موازين القوى بدلًا من إضعافها.
خلاصة
لا توجد دلائل على وجود خطة أمريكية تستغل تحديدًا التوتر الباكستاني–الأفغاني ضد إيران. غير أن منطق السياسة الدولية يشير إلى أن القوى الكبرى غالبًا ما تستثمر البيئات المضطربة لتعزيز أوراقها التفاوضية.
في حال تزايدت الضغوط المحيطة بطهران من أكثر من اتجاه، قد تجد واشنطن نفسها في موقع يتيح لها تشديد الخناق الاقتصادي والدبلوماسي دون الدخول في مواجهة مباشرة. لكن نجاح هذا السيناريو يظل رهينًا بتوازنات دقيقة، حيث يمكن لأي انزلاق غير محسوب أن يحول الاستفادة التكتيكية إلى أزمة استراتيجية أوسع.
ساجد العمري