هل تعيد واشنطن حساباتها في الخليج بعد الحرب مع إيران؟

تدرس الولايات المتحدة إعادة النظر في حجم انتشارها العسكري في منطقة الخليج العربي، في خطوة قد تمثل تحولًا مهمًا في الاستراتيجية الأميركية تجاه الشرق الأوسط، وذلك بعد الأضرار الكبيرة التي لحقت بعدد من القواعد والمنشآت العسكرية الأميركية جراء الهجمات الإيرانية خلال الحرب الأخيرة.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست، فإن عددًا من القواعد الأميركية في دول الخليج أُخلي جزئيًا أو جرى تقليص الوجود العسكري فيها قبل بدء الحملة الجوية الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط، بسبب المخاوف من تعرضها لهجمات إيرانية. ومع تصاعد الضربات، تعرضت بعض هذه المنشآت لأضرار كبيرة، ما جعل مستقبل الوجود العسكري الأميركي في المنطقة موضع مراجعة داخل وزارة الدفاع الأميركية.

 

أضرار عسكرية تفتح باب المراجعة

لم تقتصر تداعيات الحرب على استهداف القواعد الموجودة في الخليج، إذ اضطرت القوات الأميركية خلال الجولة الأخيرة من المواجهات إلى نقل جزء كبير من قواتها باتجاه الأردن. لكن ذلك لم يوفر حماية كاملة، بعدما تمكنت إيران من استهداف قواعد أميركية هناك، ما أدى، وفق التقرير، إلى مقتل ثلاثة جنود أميركيين على الأقل وإصابة أكثر من 100 آخرين، إلى جانب تدمير معدات عسكرية.

وتشير هذه التطورات إلى أن الانتشار العسكري الأميركي الواسع في المنطقة بات يفرض كلفة ومخاطر أكبر مما كان عليه في السابق، خصوصًا مع قدرة إيران على استهداف مواقع أميركية بعيدة نسبيًا عن أراضيها.

وتعتبر واشنطن بوست أن حجم الأضرار التي لحقت بالقواعد الأميركية قد يمنح وزارة الدفاع فرصة لإعادة تقييم انتشارها العسكري في الخليج، وربما عدم إعادة بناء بعض المنشآت بالشكل الذي كانت عليه قبل الحرب.

 

هل تتجه واشنطن غربًا؟

دخل مستقبل القوات الأميركية في الخليج بالفعل ضمن نقاشات داخل القيادة العسكرية الأميركية. ووفق مصادر الصحيفة، شارك الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM)، في المناقشات المتعلقة بمستقبل الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، مع طرح إمكانية نقل جزء من القوات بعيدًا عن الخليج باتجاه الغرب.

ولا يعني ذلك بالضرورة انسحابًا أميركيًا كاملًا من الشرق الأوسط، بل قد يكون إعادة توزيع للقوات والمنشآت بهدف تقليل تعرضها للصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قدرة واشنطن على التدخل العسكري عند الحاجة.

 

مطلب إيراني قديم يعود إلى الواجهة

يحمل أي تقليص للوجود العسكري الأميركي في الخليج أهمية سياسية تتجاوز الجانب العسكري، إذ يمثل الانسحاب أو إعادة الانتشار أحد المطالب التي طرحتها إيران لإنهاء الحرب.

لطالما اعتبر مسؤولون إيرانيون أن الوجود العسكري الأميركي في الخليج يمثل تهديدًا مباشرًا لأمن بلادهم، ولذلك دعت طهران مرارًا إلى إخراج القوات الأميركية من المنطقة. وترى القيادة الإيرانية أن الحرب الأخيرة يمكن أن تؤدي إلى ما وصفته بـ”تراجع” أميركي عن الشرق الأوسط.

وفي حال مضت واشنطن بالفعل نحو تقليص وجودها العسكري في الخليج، فقد تقدم طهران الخطوة باعتبارها نتيجة مباشرة لضغوطها العسكرية، بينما قد تصفها الولايات المتحدة بأنها عملية إعادة تموضع استراتيجية لتقليل المخاطر وتحسين كفاءة انتشار قواتها.\

 

تحول محتمل في ميزان القوى

يمثل الخليج إحدى أهم مناطق الانتشار العسكري الأميركي في العالم، كما يرتبط بأمن طرق الطاقة والتجارة الدولية وبالأمن الإقليمي لحلفاء واشنطن. ولذلك فإن أي تغيير كبير في حجم القوات الأميركية أو طبيعة قواعدها يمكن أن ينعكس على حسابات دول الخليج وإيران والقوى الدولية الأخرى.

لكن السؤال الأهم يبقى: هل سيكون ما يحدث انسحابًا أميركيًا فعليًا من الخليج، أم مجرد إعادة تموضع عسكري؟

المؤشرات الحالية، وفق التقرير، لا تشير إلى قرار نهائي بالانسحاب، وإنما إلى نقاش داخل البنتاغون حول مستقبل الانتشار الأميركي. ومع ذلك، فإن عدم إعادة بناء بعض القواعد إلى وضعها السابق، إذا تأكد، سيكون مؤشرًا مهمًا على أن الحرب مع إيران دفعت واشنطن إلى إعادة التفكير في نموذج وجودها العسكري الذي استمر لعقود في المنطقة.

وبذلك قد تكون الحرب قد فتحت بابًا لتحول استراتيجي طويل الأمد: من انتشار عسكري أميركي كثيف ومتمركز في الخليج، إلى وجود أكثر مرونة وتوزعًا، يقلل من تعرض القوات الأميركية للهجمات المباشرة مع الاحتفاظ بقدرتها على التحرك في الشرق الأوسط.