“إسرائيل” وتفتيت الجغرافيا.. كيف تستفيد تل أبيب من انفصال جنوب اليمن وصوماليلاند؟

شهدت منطقة البحر الأحمر وخليج عدن تحولاً استراتيجياً عميقاً خلال العامين الماضيين، حيث تتشابك مصالح القوى الإقليمية والدولية في سباق محموم للسيطرة على الممرات الملاحية الحيوية. في هذا السياق، يبرز سيناريو انفصال جنوب اليمن كجائزة استراتيجية محتملة لما يسمى “إسرائيل”، بالتوازي مع التطورات الدراماتيكية في صوماليلاند (أرض الصومال)، التي حصلت مؤخراً على اعتراف إسرائيلي.

هذه التحركات تشير إلى استراتيجية إسرائيلية جديدة تهدف إلى بناء “طوق أمني” غير تقليدي على طول السواحل المقابلة لها، يضمن أمنها البحري ويواجه النفوذ الإيراني والتهديدات الجهادية.

 

 جنوب اليمن.. بوابة تل أبيب إلى باب المندب

يمثل احتمال انفصال جنوب اليمن، بقيادة المجلس الانتقالي الجنوبي (STC)، فرصة استراتيجية غير مسبوقة لـ”إسرائيل”. يسيطر المجلس الانتقالي، المدعوم من الإمارات، على مناطق حيوية تطل على مضيق باب المندب، وهو ممر مائي يمر عبره ما يقرب من 12% من التجارة العالمية، ويعد شرياناً حيوياً للملاحة الإسرائيلية.

وقد أظهرت قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي انفتاحاً واضحاً تجاه “إسرائيل”، حيث صرح رئيس المجلس، عيدروس الزبيدي، في أكثر من مناسبة بأن الدولة الجنوبية المستقلة ستكون مستعدة للانضمام إلى اتفاقيات إبراهيم، التي تهدف إلى تطبيع العلاقات بين “إسرائيل” والدول العربي.

 

المكاسب الاستراتيجية الإسرائيلية من انفصال الجنوب

1.تأمين الملاحة ومواجهة الحوثيين: بعد الهجمات المتكررة التي شنها الحوثيون على السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، أصبح تأمين هذا الممر أولوية قصوى لـ”إسرائيل”. إن وجود كيان صديق أو متعاون في جنوب اليمن، على الضفة الشرقية لباب المندب، يوفر عمقاً استراتيجياً لمواجهة التهديدات الصادرة من شمال اليمن.

2.التواجد الاستخباراتي والعسكري: تشير تقارير إلى وجود تعاون إماراتي-إسرائيلي في جزيرة سقطرى اليمنية، التي يسيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي فعلياً. هذا التواجد يوفر لـ”إسرائيل” نقطة مراقبة متقدمة لرصد الأنشطة الإيرانية في بحر العرب والمحيط الهندي، ويسمح لها بتعزيز قدراتها الاستخباراتية في المنطقة لأي تصعيد جهادي محتمل.

3.كسر العزلة الإقليمية: يمثل الاعتراف بدولة جنوبية جديدة، وتطبيع العلاقات معها، إضافة نوعية لشبكة حلفاء “إسرائيل” في المنطقة، خاصة في ظل التوترات المستمرة مع دول الجوار التقليدية. كما أن دعم “إسرائيل” قد يكون ورقة ضغط للمجلس الانتقالي الجنوبي للحصول على اعتراف دولي من واشنطن وحلفائها.

 

صوماليلاند.. الركيزة الغربية للطوق الأمني

في خطوة مفاجئة وغير مسبوقة، أعلنت “إسرائيل” في ديسمبر 2025 اعترافها الرسمي باستقلال صوماليلاند (أرض الصومال)، لتصبح أول دولة عضو في الأمم المتحدة تتخذ هذه الخطوة. هذا الاعتراف لم يكن قراراً عاطفياً، بل ركيزة أساسية في الاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة في القرن الأفريقي.

تقع صوماليلاند على الضفة الغربية لخليج عدن، مقابل اليمن تماماً، وتتمتع بموقع استراتيجي لا يقل أهمية عن جنوب اليمن. يوفر ميناء بربرة في صوماليلاند منفذاً حيوياً يطل على الممرات الملاحية، وهو ما يخدم المصالح الإسرائيلية في تأمين خطوط التجارة.

 

العلاقة بين صوماليلاند وإثيوبيا والمصالح الإسرائيلية

جاء الاعتراف الإسرائيلي بعد عام تقريباً من توقيع إثيوبيا وصوماليلاند مذكرة تفاهم (يناير 2024) تمنح أديس أبابا منفذاً بحرياً وقاعدة عسكرية على البحر الأحمر. هذا الاتفاق، الذي أثار غضب الصومال، يمثل تحالفاً استراتيجياً ثلاثياً غير معلن (إسرائيل – إثيوبيا – صوماليلاند) يهدف إلى:

تطويق النفوذ الإيراني: من خلال السيطرة على ضفتي خليج عدن وباب المندب (جنوب اليمن وصوماليلاند).

تعزيز محور إثيوبيا: تدعم “إسرائيل” إثيوبيا في سعيها للحصول على منفذ بحري، وهو ما يخدم مصالحها في بناء حلفاء أقوياء في القرن الأفريقي يتصدى للصعود الإسلامي المرتقب.

 

 تداعيات إقليمية.. صراع المحاور على البحر الأحمر

أدت التحولات المتسارعة في منطقة البحر الأحمر إلى بروز محاور إقليمية متداخلة ومتنافسة، تعكس صراعًا على النفوذ والأمن والممرات البحرية الاستراتيجية، بما ينذر بتصعيد التوترات في واحدة من أكثر المناطق حساسية عالميًا. ويمكن تلخيص المشهد في ثلاثة مسارات/محاور رئيسية:

محور البحر الأحمر الجديد: “إسرائيل”، الإمارات، إثيوبيا، صوماليلاند، والمجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن.
الهدف: تأمين الملاحة المرتبطة بإسرائيل، مواجهة الحوثيين وإيران، وبناء نفوذ سياسي وعسكري في القرن الإفريقي وسواحل البحر الأحمر.

محور السيادة الإقليمية: مصر، الصومال، الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وتركيا (كداعم محتمل).
الهدف: الحفاظ على وحدة الدول الوطنية (الصومال واليمن)، حماية قناة السويس وباب المندب، ومواجهة التمدد الإسرائيلي والإثيوبي في الإقليم.

الدور السعودي (محور التوازن والإدارة): تتحرك السعودية بوصفها فاعلًا محوريًا مستقلًا يسعى إلى إدارة التوازنات أكثر من الانخراط في محور صدامي مباشر.
الهدف: تأمين الملاحة في البحر الأحمر، حماية سواحلها ومشاريعها الاستراتيجية، احتواء النفوذ الإيراني عبر الملف اليمني، ومنع انزلاق المنطقة إلى صراع إقليمي مفتوح، مع الحفاظ على قنوات تنسيق مع مصر، ودول الخليج، والقوى الدولية.

لا يشهد البحر الأحمر استقطابًا ثنائيًا بسيطًا، بل مشهدًا مركبًا تتقاطع فيه محاور صلبة مع أدوار توازنية، وفي القلب من ذلك تبرز السعودية كقوة تسعى إلى الضبط والاحتواء أكثر من إعادة تشكيل المنطقة عبر تحالفات صدامية معلنة.

 

وقد كان رد الفعل المصري حاداً تجاه اعتراف “إسرائيل” بصوماليلاند، حيث اعتبرته القاهرة تهديداً لأمنها القومي ومحاولة للضغط عليها في ملفات إقليمية أخرى. وفي خطوة لمواجهة التحالف الإثيوبي-الصوماليلاندي، وقعت مصر اتفاقية دفاع مشترك مع الصومال (أغسطس 2024)، وأرسلت دعماً عسكرياً لمقديشو، مؤكدة التزامها بوحدة الأراضي الصومالية.

 

في الختام، تستفيد “إسرائيل” من انفصال جنوب اليمن المحتمل وصعود صوماليلاند عبر استراتيجية “تفتيت الجغرافيا” في محيطها البحري. هذه الاستراتيجية لا تقتصر على تأمين الملاحة في باب المندب فحسب، بل تمتد لتشمل بناء شبكة تحالفات جديدة تمنحها نفوذاً استخباراتياً وعسكرياً على ضفتي الممر المائي الحيوي. ومع ذلك، فإن هذه التحركات تصنع بيئة إقليمية شديدة التعقيد، حيث يواجه “محور البحر الأحمر الجديد” مقاومة قوية من قوى إقليمية تعتبر هذه التطورات تهديداً مباشراً لأمنها القومي ووحدة أراضيها، مما ينذر بمزيد من الصراع على السيطرة على أهم ممر مائي في العالم.

 

عبد الغني أحمد