أسامة بن لادن أيقونة “مقاومة الإمبريالية” في أمريكا اللاتينية

في تحول لافت يعكس عمق الاستياء الشعبي من السياسات الأمريكية في أمريكا اللاتينية، بدأت تظهر على منصات التواصل الاجتماعي ظاهرة غريبة تتمثل في افتخار بعض النشطاء اللاتينيين، لا سيما من التيارات اليسارية والاشتراكية، بشخصية الشيخ أسامة بن لادن، مؤسس تنظيم قاعدة الجهاد.

هذه الظاهرة، التي انتشرت مؤخراً، لا تشير إلى تحول أيديولوجي نحو الفكر الجهادي، بقدر ما تكشف عن استخدام رمزي لشخصية بن لادن كأيقونة للمقاومة المسلحة ضد ما يصفونه بـ “الهمجية الإمبريالية الأمريكية”.

 

رمزية العداء المشترك

جاءت هذه الظاهرة إلى الواجهة بعد تداول منشورات على منصات مثل “إكس” (تويتر سابقاً) وفيسبوك، تضمنت مقاطع فيديو أو مقتطفات من رسائل الشيخ أسامة بن لادن، خاصة تلك التي تتناول العداء للولايات المتحدة. وقد علق أحد المراقبين على هذه الظاهرة بالقول: “لقد بلغ الغضب الشعبي ضد العدوان الأمريكي حداً دفع بالاشتراكيين في أمريكا اللاتينية إلى مشاركة فيديوهات بن لادن. عندما يصبح الاستبداد الإمبريالي الأمريكي لا يُطاق، يتعامل عدد متزايد من الناس مع قادة الجهاديين الإسلاميين كأيقونات شعبية للمقاومة المسلحة.”
هذا التبني الرمزي لشخصية بن لادن، الذي يمثل في الوعي الغربي رمزاً للإرهاب، يعكس في جوهره أزمة ثقة عميقة في الخطاب السياسي التقليدي، ورغبة في التعبير عن العداء للولايات المتحدة بأقصى درجات الصدمة والرفض.

الجذور التاريخية: الإمبريالية الأمريكية واليسار اللاتيني

لفهم هذه الظاهرة، يجب العودة إلى الجذور التاريخية للعداء بين الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية. فالمنطقة، التي شهدت عقوداً من التدخلات الأمريكية المباشرة وغير المباشرة، سواء عبر الدعم للانقلابات العسكرية، أو فرض السياسات الاقتصادية، أو التدخلات العسكرية الصريحة، لديها تاريخ طويل من النزعة المناهضة للإمبريالية .

 

إن الحركات اليسارية والاشتراكية في أمريكا اللاتينية، من الزاباتستا في المكسيك إلى الأنظمة السياسية في فنزويلا وكوبا، بنت جزءاً كبيراً من خطابها على مقاومة الهيمنة الأمريكية. وفي هذا السياق، يصبح أي عدو للولايات المتحدة، مهما كان منبعه الأيديولوجي مختلفاً، مادة خاماً يمكن استغلالها رمزياً في سياق الصراع.

أيديولوجيا المقاومة المشتركة

اللافت في هذه الظاهرة هو التناقض الأيديولوجي الصارخ. فبينما تتبنى التيارات اليسارية اللاتينية أفكاراً علمانية واشتراكية، فإنها تجد نفسها تستلهم خطاباً من شخصية تنتمي إلى عقيدة إسلامية سلفية جهادية. يرى المحللون أن هذا الالتقاء هو دليل على أن العداء المشترك قد يتجاوز الخلافات الأيديولوجية العميقة.
يُفسَّر هذا التبني الرمزي على أنه شكل من أشكال “المقاومة بالوكالة”، حيث يتم الاحتفاء بأي قوة عالمية نجحت في توجيه ضربة قاسية للولايات المتحدة، بغض النظر عن دوافعها أو أهدافها النهائية. إنهم لا يحتفون بالفكر الإسلامي، بل يحتفون بـ “الفعل المجاهد” الذي يكسر هيبة القوة العظمى.
هذه الظاهرة، وإن كانت هامشية في حجمها، إلا أنها تحمل دلالات عميقة حول هشاشة النفوذ الأمريكي في المنطقة، وتؤكد أن مشاعر الاستياء قد وصلت إلى مرحلة البحث عن رموز “متمردة” عالمية، حتى لو كانت تلك الرموز تأتي من أقصى اليمين الديني، لتتحد مع أقصى اليسار السياسي في خندق واحد هو خندق مناهضة الإمبريالية.
وتؤكد على أن العالم اللاتيني يعتقد بشكل حاسم أن أسامة بن لادن قد أعجز الأمريكيين، وأنه أكثر شخصية عالمية تمكنت من إذلال أمريكا التي يتبجح بقوتها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

 

السبق الإسلامي في كسر غرور الأمريكيين

وفي الواقع، تعد عودة صور وفيديوهات وكلمات الشيخ أسامة بن لادن اليوم في هذه المواجهة الجديدة، تأكيدا على سبقه في إرغام أنف الأمريكان، بعد ضربته التاريخية بغزوات الحادي عشر من سبتمبر، واستهدافه المباشر، لبرجي التجارة العالمية ووزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) رمز الغطرسة الأمريكية والبيت الأبيض، أهم رموز للهيبة الأمريكية.
وكانت غزوات الحادي عشر من سبتمبر الحالة الوحيدة التي تمكنت فيها قوة من ضرب أمريكا في داخل أراضيها، فلم يسبق الفتية الـ19، الذين نفذوا الهجوم، دولة ولا تحالف، ولم يسجل التاريخ ضربات في داخل العمق الأمريكي، إلا ما سبق به هؤلاء المسلمون، الذين تمكنوا بتخطيط فذ وذكي وصبور، من ضرب أكبر دولة متجبرة في العالم.
ولذلك نتفهم جيدا سر مناكفة اللاتينيين الأمريكيين بالشيخ أسامة بن لادن رحمه الله الذي ختم حياته بإفشال عملية إنزال القوات الخاصة الأشهر في القوات الأمريكية، وبتحطيم طائرة مروحية لهم وإنهاء محاولتهم باستشهاده بدل اعتقاله كما كان مخططا له.
وإن كان اللاتينيون اليوم يفخرون ببطولاته، فلا بد أن يفخر المسلمون بها كذلك، إذ لا يزال مدد جنوده في أفرع قاعدة الجهاد يواصلون المسير، بعد أن تمكنوا من إقامة إمارات إسلامية قوية وممتدة في الساحل والصومال، في حين تعمل بقية الأفرع على خططها بصبر ويقين وحسن عهد بوصايا أميرهم الراحل. ما يؤرق السياسات الأمريكية التي عجزت عن القضاء على تنظيم القاعدة الذي أعلنت ضده حربا عالمية صليبية، أطلقها الرئيس الأمريكي بوش الإبن ولاتزال إلى اليوم – رغم كل ما جمع لها وكلّفته – عاجزة عن إيقاف الصعود الجهادي الإسلامي. بفضل الله تعالى.

 

ساجد العمري