إيران على مفترق طرق: الاحتجاجات الشعبية وتداعيات “حرب الأيام الاثني عشر”

تشهد إيران منذ أواخر ديسمبر 2025 موجة غير مسبوقة من الاحتجاجات الشعبية التي سرعان ما تحولت إلى حراك واسع النطاق يهدد استقرار النظام. هذه التظاهرات، التي بدأت بدوافع اقتصادية بحتة، اكتسبت زخماً سياسياً متزايداً، لتضع البلاد على مفترق طرق حرج، خاصة في ظل التداعيات المستمرة لـ “حرب الأيام الاثني عشر” مع ما يسمى “إسرائيل” في يونيو 2025.

 

جذور الأزمة: الاقتصاد المنهار وتداعيات الصراع الإقليمي

اندلعت الشرارة الأولى للاحتجاجات في 28 ديسمبر 2025، مدفوعة بتدهور حاد في الأوضاع الاقتصادية، تمثل في ارتفاع جنوني للأسعار وانهيار قيمة العملة الوطنية. لم تكن هذه الأزمة الاقتصادية وليدة اللحظة، بل هي تتويج لسنوات من سوء الإدارة والفساد، وتفاقمت بشكل كبير جراء “حرب الأيام الاثني عشر” التي خاضتها إيران ضد “إسرائيل” في الفترة من 13 إلى 24 يونيو 2025 .

لقد كشفت هذه المواجهة العسكرية المباشرة، التي شهدت ضربات إسرائيلية مكثفة استهدفت منشآت نووية وصناعية عسكرية إيرانية، عن نقاط ضعف حرجة في البنية التحتية الإيرانية وقدراتها الدفاعية . ورغم أن تفاصيل هذه الحرب لا تزال قيد التحليل، إلا أن تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية كانت وخيمة، حيث أدت إلى تفاقم الضغوط المعيشية على المواطن الإيراني العادي، مما مهد الطريق للانفجار الشعبي الحالي.

 

تصاعد الحراك الشعبي: من المطالب المعيشية إلى إسقاط النظام

ما بدأ كاحتجاجات على غلاء المعيشة سرعان ما تحول إلى حركة مناهضة للنظام الديني الحاكم، مع ترديد شعارات تعكس تطلعات سياسية جذرية. فقد شهدت الأيام الأولى شعارات مثل “تاجر شجاع، دعم دعم”، لكنها تطورت بسرعة لتشمل “الموت للديكتاتور”، و”الموت لخامنئي”، و”لن يكون هذا الوطن وطناً حتى يرحل رجال الدين” .
الملاحظة الأبرز في هذه الموجة الاحتجاجية هي عودة الشعارات المؤيدة للملكية، مثل “هذه آخر معركة، بهلوي سيعود” و”يحيا الشاه” و”رضا شاه، طابت روحك”، في إشارة واضحة إلى ولي العهد السابق رضا بهلوي . هذا التحول في الشعارات يعكس تحولاً أعمق في المزاج العام، حيث لم تعد المطالب تقتصر على الإصلاحات، بل تتجه نحو تغيير جذري في بنية الحكم.

توسعت رقعة الاحتجاجات لتشمل أكثر من 28 مدينة وقرية، وانضم إليها شرائح مجتمعية متنوعة، من التجار والطلاب إلى الطبقات الفقيرة والمثقفين . وقد أظهرت التقارير الحقوقية أرقاماً مقلقة، حيث أفادت وكالة “هرانا” بمقتل ما لا يقل عن 116 شخصاً واعتقال أكثر من 2600 آخرين خلال الأسبوعين الأولين من الاحتجاجات . كما أشارت تقارير سابقة إلى تنفيذ 1922 عملية إعدام في إيران خلال عام 2025، بزيادة قدرها 106% عن العام السابق، مما يسلط الضوء على تصاعد القمع .

 

رد فعل النظام والموقف الدولي

واجه النظام الإيراني الاحتجاجات بقبضة أمنية مشددة، شملت قطع واسع النطاق لخدمات الإنترنت في محاولة لخنق التنسيق بين المتظاهرين ومنع انتشار الأخبار . وقد اتهم المرشد الأعلى علي خامنئي قوى خارجية، وتحديداً الولايات المتحدة و”إسرائيل”، بالوقوف وراء هذه الاضطرابات، محذراً من أي تدخل خارجي .
في المقابل، أظهر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان نبرة أكثر اعتدالاً، حيث اعتبر الاحتجاجات مشروعة ووعد بتحسين الظروف المعيشية، لكنه أقر بصعوبة التوصل إلى حلول سريعة للأزمة . هذا التباين في الخطاب بين القيادة الدينية والسياسية يعكس حالة من التوتر الداخلي داخل أروقة السلطة.
دولياً، تراقب الولايات المتحدة وإسرائيل الوضع عن كثب. وقد أشارت تقارير إسرائيلية إلى تغير في تقييمات المسؤولين بشأن احتمال سقوط النظام الإيراني، مما يعكس جدية التهديد الذي يواجهه . كما وردت تهديدات أمريكية بالتدخل، مما يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي والدولي .
إن موجة الاحتجاجات الحالية في إيران ليست مجرد اضطرابات عابرة، بل هي تعبير عن غضب شعبي عميق يتغذى على سنوات من الأزمات الاقتصادية والسياسية، وتفاقم بفعل تداعيات الصراعات الإقليمية. ومع تصاعد المطالب الشعبية نحو تغيير جذري، وتزايد حدة القمع من جانب النظام، تبقى الأنظار متجهة نحو إيران، التي تقف اليوم على مفترق طرق قد يحدد مستقبلها ومستقبل المنطقة بأسرها.
ساجد العمري