تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وأوروبا: أزمة غرينلاند ومستقبل التحالف الأطلسي

يشهد التحالف العابر للأطلسي بين الولايات المتحدة وأوروبا تصعيداً غير مسبوق في التوتر، وصل إلى مستويات تهدد بإعادة تشكيل النظام الأمني والاقتصادي الغربي القائم منذ ثمانية عقود. وقد تبلور هذا التوتر مؤخراً حول قضية جزيرة غرينلاند، التي أصبحت الشرارة التي كشفت عن عمق الخلافات الاستراتيجية والاقتصادية بين الجانبين.

 

أزمة غرينلاند والتهديد الاقتصادي المباشر

تعد أزمة غرينلاند، التي هي إقليم دنماركي يتمتع بالحكم الذاتي، أحدث وأخطر فصول التوتر. فقد هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية عقابية على ثماني دول أوروبية ما لم توافق الدنمارك على بيع الجزيرة للولايات المتحدة. وقد وصف مسؤولون أوروبيون هذا التهديد بأنه “القشة التي قصمت ظهر البعير”، مشيرين إلى أن هذا السلوك يمثل “هجوماً” غير مبرر على حلفاء واشنطن.

 

التهديد بالرسوم الجمركية

أعلن ترامب عن نيته فرض رسوم جمركية بنسبة 10% على جميع السلع المستوردة من ثماني دول أوروبية اعتباراً من 1 فبراير 2026، مع التهديد برفع النسبة إلى 25% بحلول 1 يونيو إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن “الشراء الكامل والنهائي” لغرينلاند. الدول المستهدفة هي: الدنمارك، النرويج، السويد، المملكة المتحدة، فرنسا، ألمانيا، هولندا، وفنلندا.

الرد الأوروبي وخيار “بازوكا التجارة”

في مواجهة ما وصفوه بـ”الابتزاز”، بدأت العواصم الأوروبية تنسيق ردها، حيث دعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى “الصمود” الأوروبي لحماية سيادة غرينلاند. كما تستعد أوروبا لاستخدام أداة جديدة تعرف باسم “بازوكا التجارة”، وهي آلية تسمح للاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات تجارية واسعة، مثل استبعاد الشركات الأمريكية من السوق الأوروبية أو إنهاء حماية الملكية الفكرية.

بالإضافة إلى ذلك، يدرس الاتحاد الأوروبي تفعيل إجراءات انتقامية أقل حدة ولكنها أسرع، تتمثل في إعادة فرض رسوم جمركية على سلع أمريكية بقيمة 93 مليار يورو (مثل البوربون والطائرات وفول الصويا)، وهي رسوم تم تعليقها مؤقتاً في صفقة تجارية سابقة، ومن المقرر أن ينتهي تعليقها في 6 فبراير 2026.

 

التحول الأمني نحو الاستقلال الاستراتيجي

أدت الشكوك المتزايدة حول موثوقية الولايات المتحدة كحليف أمني، خاصة في ظل سياسات “أمريكا أولاً”، إلى تسريع التوجه الأوروبي نحو الاستقلال الاستراتيجي. وقد أصبحت أزمة غرينلاند محفزاً قوياً لهذا التحول، الذي يهدد بتقويض حلف شمال الأطلسي (الناتو) في شكله الحالي.

 

الالتزام بزيادة الإنفاق الدفاعي

في قمة الناتو لعام 2025 في لاهاي، التزم الحلفاء بزيادة الإنفاق الدفاعي إلى مستوى غير مسبوق. حيث اتفق الأعضاء على استثمار 5% من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً في الدفاع بحلول عام 2035، مقسمة إلى 3.5% للدفاع الأساسي و1.5% للأمن الأوسع. ويأتي هذا الالتزام استجابة للضغوط الأمريكية المتواصلة وللحاجة الأوروبية الملحة للدفاع عن نفسها دون الاعتماد المطلق على واشنطن.

 

مقترحات الجيش ومجلس الأمن الأوروبي

في خطوة تعكس التفكير في مستقبل أمني “ما بعد الولايات المتحدة”، اقترح مفوض الدفاع الأوروبي أندريوس كوبيليوس إنشاء قوة عسكرية أوروبية دائمة قوامها 100,000 جندي. ويهدف هذا المقترح إلى تعويض القوة العسكرية الأمريكية الدائمة المتمركزة في أوروبا، والتي تشكل العمود الفقري للأمن القاري.

كما دعا كوبيليوس إلى إحياء فكرة إنشاء مجلس أمن أوروبي يضم ما بين 10 إلى 12 عضواً، بما في ذلك المملكة المتحدة، لتنسيق القضايا الأمنية الأوروبية الأوسع. وتؤكد هذه المبادرات على أن أوروبا لم تعد ترى في “انتظار انتهاء” التوتر حلاً، بل تسعى إلى “حركة منظمة ومنسقة نحو واقع جديد”.

وفي ظل الطبيعة المتقلبة للسياسة الأمريكية، طور القادة الأوروبيون آليات تنسيق غير رسمية وفعالة لضمان استجابة موحدة وسريعة.

 

“مجموعة واشنطن”

كشفت التقارير عن وجود تنسيق غير رسمي ومكثف بين قادة أوروبيين رئيسيين عبر “مجموعات نصية”، أطلق عليها اسم “مجموعة واشنطن”. وتضم هذه المجموعة قادة مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني فريدريش ميرز، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، بالإضافة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.

تستخدم هذه المجموعة للتنسيق الفوري وتبادل الرسائل كلما قام ترامب بـ”تصرف متهور ومحتمل الضرر”. وقد أثبت هذا الترتيب غير الرسمي فعاليته في بناء الثقة وتطوير القدرة على العمل المشترك، مما يجعله نواة محتملة لتحالف أمني جديد في حال تفكك الناتو. كما أن وجود زيلينسكي في هذه المجموعة يضيف بعداً استراتيجياً، حيث يمكن دمج الخبرة العسكرية الأوكرانية الهائلة في أي ترتيبات دفاعية أوروبية مستقبلية.

 

يمثل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وأوروبا، والذي تجسد في أزمة غرينلاند والتهديدات الاقتصادية المتبادلة، نقطة تحول تاريخية في العلاقات الأطلسية. لقد أصبحت أوروبا مقتنعة بأن الاعتماد على الولايات المتحدة لم يعد خياراً استراتيجياً موثوقاً، مما يدفعها بقوة نحو الطلاق المنظم من واشنطن. هذا التحول ليس مجرد رد فعل سياسي، بل هو عملية هيكلية لتطوير استقلالها الأمني والاقتصادي، مع تداعيات عميقة على النظام العالمي. فبينما يواجه حلف الناتو تحديات وجودية، تتجه أوروبا نحو بناء هيكل دفاعي جديد قد يشمل جيشاً موحداً ومجلساً أمنياً خاصاً بها، مما يرسم ملامح حقبة جديدة من القوة الجيوسياسية الأوروبية المستقلة.

 

ساجد العمري