الموازنة الأوروبية بين بكين وواشنطن واضطراب الداخل الصيني

تشهد العلاقات الدولية تحولات عميقة، حيث تتزايد الضغوط الجيوسياسية بين القوى الكبرى، لا سيما بين الولايات المتحدة والصين. في هذا السياق المضطرب، تسعى الدول الأوروبية إلى إعادة تعريف علاقاتها مع بكين، مدفوعة بحسابات اقتصادية معقدة ومخاوف من تقلبات السياسة الأمريكية.

وتأتي زيارة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى بكين في يناير 2026 لتكون مثالاً صارخاً على هذا التوازن الدقيق، حيث يسعى لتعزيز العلاقات التجارية مع الصين دون إثارة غضب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

بالتوازي مع هذه التحركات الخارجية، يشهد الداخل الصيني اضطراباً كبيراً يتمثل في حملة تطهير واسعة النطاق داخل الجيش، تكشف عن عمق الفساد وتثير تساؤلات حول الجاهزية العسكرية والقيادة المطلقة للرئيس شي جين بينغ.

الموازنة البريطانية: ستارمر في بكين وتجنب إزعاج ترامب

تُعد زيارة كير ستارمر، رئيس الوزراء البريطاني، إلى بكين الأولى لرئيس وزراء بريطاني منذ ثماني سنوات، ما يشير إلى رغبة لندن في “إصلاح” العلاقات التي تدهورت بسبب قضايا حقوق الإنسان والأمن القومي . وقد رافق ستارمر وفد تجاري ضخم يضم حوالي 60 من قادة الأعمال البريطانيين، مؤكداً أن الهدف الأساسي للزيارة هو تعزيز الروابط التجارية والثقافية .
يكمن التحدي الأكبر لستارمر في تحقيق هذه الأهداف الاقتصادية دون المساس بالعلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. وتُظهر تصريحات ستارمر محاولة واضحة للموازنة، حيث أصر على أن المملكة المتحدة لن تُجبر على “الاختيار بين” الصين والولايات المتحدة، وأن تجاهل الصين “لن يكون منطقياً” .
هذه الموازنة هي في جوهرها محاولة لتأمين المصالح الاقتصادية البريطانية في السوق الصيني الضخم، مع الاحتفاظ بمكانة لندن كحليف موثوق لواشنطن. ومع ذلك، واجهت الزيارة انتقادات داخلية حادة، حيث اتهم المعارضون ستارمر بالتغاضي عن قضايا حقوق الإنسان، مثل معاملة أقلية الإيغور وقضية رجل الأعمال المؤيد للديمقراطية في هونغ كونغ، جيمي لاي . كما أثيرت مخاوف أمنية بشأن موافقة الحكومة على خطط بناء سفارة صينية كبرى في لندن، والتي يخشى البعض أن تتحول إلى “مركز تجسس” .

التحركات الأوروبية الأوسع: “إدارة المخاطر” كبديل لـ “الانفصال”

لا تقتصر التحركات نحو بكين على بريطانيا فحسب، بل هي جزء من توجه أوروبي أوسع نحو “إدارة المخاطر” بدلاً من “الانفصال” عن الاقتصاد الصيني. وتأتي هذه التحركات مدفوعة بعاملين رئيسيين:

1.المخاوف الاقتصادية: على الرغم من التوترات التجارية، تظل الصين شريكاً تجارياً حيوياً للاتحاد الأوروبي. وقد شهدت استثمارات الشركات الألمانية في الصين ارتفاعاً ملحوظاً في عام 2025، لتصل إلى أعلى مستوى لها في أربع سنوات، وهو ما يُعزى جزئياً إلى سعي الشركات الأوروبية لتأمين سلاسل إمدادها في مواجهة التهديدات بفرض تعريفات جمركية أمريكية جديدة.
2.التقلبات السياسية الأمريكية: تستغل بكين حالة عدم اليقين التي تتسبب فيها السياسة الأمريكية المتقلبة، خاصة مع التهديدات بفرض تعريفات جمركية جديدة من قبل ترامب، لتقديم نفسها كشريك تجاري “موثوق” وأكثر استقراراً لأوروبا . وقد شهدت قمة الاتحاد الأوروبي والصين في يوليو 2025 مناقشات متوترة حول العجز التجاري، لكن الصين أبدت اهتماماً كبيراً بتعزيز التجارة مع أوروبا .
هذا التوجه الأوروبي يعكس براغماتية اقتصادية، حيث تسعى القارة إلى الحفاظ على قنوات الحوار والتجارة مع بكين، مع تبني موقف أكثر حزماً في قضايا الأمن وحقوق الإنسان، في محاولة للحفاظ على استقلاليتها الاستراتيجية بين القوتين العظميين.

اضطراب الداخل الصيني: تطهير الجيش وتهم الفساد

في الوقت الذي تسعى فيه الصين لتعزيز نفوذها الخارجي، يشهد جيش التحرير الشعبي (PLA) حملة تطهير غير مسبوقة، تُدار تحت مظلة مكافحة الفساد التي يقودها الرئيس شي جين بينغ. وقد كشفت هذه الحملة عن نقاط ضعف هيكلية في أعلى مستويات القيادة العسكرية:
المسؤول العسكري
المنصب
التهمة الرئيسية
الدلالة
تشانغ يوشيا
نائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية (CMC)
“انتهاكات خطيرة للانضباط والقانون” (تشمل تسريب أسرار نووية وقبول رشاوى)
أقرب حليف عسكري لشي جين بينغ، وتطهيره يعزز سلطة شي المطلقة.
ليو تشن لي
رئيس أركان إدارة الأركان المشتركة
“انتهاكات خطيرة للانضباط والقانون”
استمرار التطهير في أعلى الهرم العسكري.
قوة الصواريخ
–
تطهير واسع النطاق
كشف عن فساد عميق في المشتريات العسكرية، مما يثير الشكوك حول جاهزية القوة النووية.
وزراء دفاع سابقون
–
الفساد
إقالة أكثر من 50 ضابطاً رفيعاً، مما يدل على أن الفساد متجذر في نظام الترقيات والمشتريات.
يُظهر التحقيق مع الجنرال تشانغ يوشيا، الذي كان يُنظر إليه على أنه أقرب حلفاء شي العسكريين، أن حملة مكافحة الفساد لم تعد مجرد أداة لضبط الانضباط، بل وسيلة لتعزيز السلطة المطلقة لشي جين بينغ، حيث لم يتبق من الأعضاء السبعة الذين عينهم شي في اللجنة العسكرية المركزية عام 2022 سوى اثنين لم يمسسهما التطهير .

الربط بين التحولات والمآلات المستقبلية

إن التحركات الأوروبية نحو الصين والاضطراب الداخلي في الجيش الصيني ليسا حدثين منفصلين، بل هما وجهان لعملة واحدة في المشهد الجيوسياسي العالمي المتغير، ويمكن ربطهما وتحليل مآلاتهما على النحو التالي:

أ. استغلال الصين للفجوة الغربية

تستغل بكين بذكاء التصدعات في التحالف الغربي، خاصة تلك التي تنشأ من سياسات ترامب الحمائية. فبينما يهدد ترامب بفرض تعريفات جمركية على أوروبا، تجد الأخيرة نفسها مضطرة للبحث عن استقرار اقتصادي في الشرق. هذا التوجه الأوروبي يمنح الصين نفوذاً تفاوضياً أكبر، حيث يمكنها أن تقدم نفسها كشريك تجاري موثوق، مما يضعف جبهة الضغط الغربية الموحدة ضدها في قضايا مثل تايوان وبحر الصين الجنوبي.

ب. تأثير الفساد العسكري على الجاهزية الجيوسياسية

على الرغم من أن التطهير يعزز سيطرة شي جين بينغ المطلقة على الجيش، إلا أنه يكشف عن هشاشة داخلية في أهم مؤسسة عسكرية في البلاد.
إن الفساد المتجذر في المشتريات والترقيات، والذي أدى إلى إقالة قادة كبار، يثير شكوكاً جدية حول الجاهزية القتالية لجيش التحرير الشعبي، لا سيما في سيناريوهات الصراع المحتملة مثل غزو تايوان .

ج. المآلات: تعزيز السيطرة الداخلية مقابل تباطؤ الطموح العسكري

في المدى القريب، سيؤدي التطهير إلى تعزيز السيطرة المطلقة لشي جين بينغ على الجيش، مما يضمن ولاء القيادة العليا له شخصياً. ومع ذلك، فإن الكشف عن الفساد في المشتريات العسكرية قد يؤدي إلى تباطؤ في برنامج التحديث العسكري الصيني، خاصة في مجال التكنولوجيا المتقدمة، مما قد يمنح الغرب “نفساً” إضافياً في سباق التسلح.
أما على الصعيد الأوروبي، فمن المرجح أن تستمر سياسة “إدارة المخاطر”، حيث ستسعى الدول الأوروبية إلى تعميق علاقاتها التجارية مع الصين كتأمين ضد سياسات ترامب، لكنها ستظل حذرة في قضايا الأمن القومي وحقوق الإنسان. هذا التوازن الهش يضع أوروبا في موقع صعب، حيث قد تجد نفسها مضطرة لتقديم تنازلات سياسية مقابل مكاسب اقتصادية.

الخلاصة

تُظهر التحركات الأوروبية الأخيرة، التي تتجسد في زيارة كير ستارمر، تحولاً براغماتياً نحو الصين، مدفوعاً بالضرورات الاقتصادية والمخاوف من السياسة الأمريكية. وفي المقابل، يكشف التطهير العسكري في الصين عن صراع داخلي على السلطة وفساد متجذر، مما يهدد الجاهزية العسكرية الصينية. إ
ن الربط بين هذه التحولات يشير إلى أن الصين تستغل الانقسام الغربي لتعزيز نفوذها الاقتصادي، بينما يعمل شي جين بينغ على ترسيخ سلطته الداخلية، حتى لو كان ذلك على حساب الكفاءة العسكرية على المدى القصير.
المستقبل يحمل في طياته مزيداً من التوتر والموازنات الدقيقة للدول الأوروبية، التي تسعى جاهدة للحفاظ على مصالحها في عالم تتشابك فيه المصالح الاقتصادية مع التحديات الجيوسياسية.

 

 

ساجد العمري