أزمة الكهرباء في السودان: الدراسة على ضوء الشموع وعدّ رحلات الوقود
قبل أن يغادر أطفال حسنى محمد الخمسة إلى المدرسة، وقبل أن يتجه زوجها إلى ورشته، تكون المرأة البالغة من العمر 34 عامًا قد بدأت بالفعل في حمل الجِرار نحو أنبوب المياه المشترك في حيها جنوب الخرطوم.
انقطاع الكهرباء يعني أن المضخة الكهربائية التي كانت تستخدمها لضخ المياه إلى منزلها أصبحت عديمة الفائدة، ما يجبرها على القيام بهذه الرحلة يوميًا.
تقول حسنى: “أصبح يومي سلسلة من المحاولات لتجاوز هذه التفاصيل الصغيرة التي تراكمت لتصبح عبئًا يوميًا. عندما كانت الكهرباء مستقرة، كانت الأعمال المنزلية أسهل بكثير.”
أزمة متجذّرة تفاقمت بالحرب
كانت شبكة الكهرباء في السودان تعاني أصلًا من ضعف هيكلي قبل الأزمة الحالية، لكن الحرب المستمرة منذ أربع سنوات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع سرعت من انهيارها.
كما زادت التوترات الإقليمية الناتجة عن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران من حدة الأزمة. فالسودان يعتمد بشكل كبير على الوقود المستورد، وقد تأثر بتعطل سلاسل الإمداد في الخليج وطرق الشحن، مما أدى إلى تضييق الإمدادات وارتفاع التكاليف.
وخلال الأسبوعين الماضيين، شهدت مدن سودانية كثيرة انقطاعات حادة في الكهرباء، أثرت على مختلف جوانب الحياة اليومية.
تدهور اقتصادي حاد
فقد الجنيه السوداني نحو 20% من قيمته خلال الأسابيع الأخيرة، حيث تجاوز سعر الدولار 390 جنيهًا في السوق السوداء.
كما ارتفعت أسعار الوقود بشكل كبير، مما أدى إلى زيادة تكاليف النقل والغذاء والسلع الأساسية.
ورغم إعلان الحكومة عودتها إلى الخرطوم في يناير وتعهدها بتحسين الخدمات، فإن إعادة تشغيلها في ظل الدمار والحرب وأزمة الطاقة العالمية لا تزال مهمة صعبة.
داخل المنازل: معاناة يومية
في منزل حسنى، تظهر آثار الأزمة بشكل مباشر: لم يعد بالإمكان تخزين الطعام بسبب غياب التبريد
يتم طهي الطعام يوميًا باستخدام الحطب أو الفحم.
تعيش الأسرة في حرارة وظلام ليلاً.
ابنتها الكبرى (16 عامًا) تستعد لامتحانات الثانوية، لكن: “انقطاع الكهرباء أصبح عائقًا مباشرًا أمام دراستها… تعتمد على ضوء الشموع الذي لا يوفر بيئة مناسبة للتركيز.”
أزمة الوقود تضرب سبل العيش
زوجها أحمد علي (38 عامًا)، يعمل ميكانيكي سيارات. وتعتمد ورشته جزئيًا على الكهرباء، وعند انقطاعها يتوقف العمل.
كان يستخدم مولدًا كهربائيًا، لكن ارتفاع أسعار الوقود جعله غير ممكن.
ارتفع سعر البنزين من 4860 جنيهًا للتر إلى 6870 جنيهًا خلال أسابيع، بزيادة تتجاوز 40%.
يقول أحمد: “تكلفة تشغيل المولد أصبحت أعلى مما نستطيع تحمله.”
سائقو النقل: العمل يتحول إلى انتظار
ياسر البلهوي (48 عامًا)، سائق حافلة، يصف وضعه: “لم يعد يومي يُقاس بعدد الرحلات، بل بعدد الساعات التي أقضيها في محطات الوقود.”
مع ارتفاع الأسعار وقلة التوفر، أصبح أمام خيارين: إما الانتظار لساعات طويلة أو التوقف عن العمل.
الأسواق تحت الضغط
في الأسواق، تبدو الأزمة واضحة: يقول التاجر عبدالحفيظ فضل محمد إن: عدد الزبائن انخفض بسبب الحرارة مع صعوبة تخزين السلع التي تحتاج تبريد وارتفاع تكاليف التشغيل.
وقد استثمر نحو 3 ملايين جنيه في نظام طاقة شمسية ليستمر في عمله.
ارتفاع الأسعار خلال أسبوع واحد:
- السكر (10 كجم): من 28,000 إلى 35,000 جنيه
- الدقيق (50 كجم): من 47,000 إلى 55,000 جنيه
- زيت الطبخ: من 30,000 إلى 37,000 جنيه
ويتوقع المزيد من الارتفاع.
أزمة مركبة
يرى الخبير الاقتصادي محمد الطيب أن اقتصاد السودان هش أمام أزمات الطاقة بسبب: الاعتماد الكبير على النقل البري والإنتاج المرتبط بالكهرباء.
وأوضح أن المشكلة ليست اقتصادية فقط، بل بنيوية أيضًا: “شبكات الكهرباء تعتمد على بنية غير رسمية وأعمدة عشوائية غير مصممة لتحمل الضغط، ما يؤدي إلى انهيارات متكررة.” وفي بعض الأحياء، تعتمد مجتمعات كاملة على مولد واحد لا يكفي احتياجاتها.
حلقة مفرغة
العلاقة بين انقطاع الكهرباء وارتفاع الوقود تؤدي إلى:
- انخفاض الإنتاج
- ارتفاع تكاليف النقل
- زيادة أسعار السلع
- تراجع القدرة الشرائية
- محاولات محلية للحلول
ظهرت حلول جزئية على مستوى الأحياء: مثل استخدام المولدات (ثم التخلي عنها بسبب التكلفة)
والاعتماد على الطاقة الشمسية لتشغيل بعض مضخات المياه.
يقول أحد مسؤولي الأحياء: “ساعدت الطاقة الشمسية في تحسين الوضع، لكنها لا تغطي كل الاحتياجات.”
في الأحياء: يتم تقاسم تشغيل المولدات وتبادل أدوار شحن الأجهزة وتقاسم تكاليف الوقود. لكن هذه الحلول هشة وتعتمد على تعاون السكان، الذي يتآكل مع الضغط الاقتصادي.
الأكثر تضررًا
بينما يستطيع بعض التجار الاستثمار في الطاقة الشمسية، فإن: صغار الباعة والعمال اليوميون لا يملكون أي وسيلة للحماية من ارتفاع الأسعار.
يرى الخبراء أن الأزمة كشفت مدى هشاشة الوضع أصلًا: “الأسر السودانية كانت تعاني بالفعل من الحرب وانهيار العملة والنزوح… وجاءت أزمة الطاقة لتقضي على ما تبقى من قدرة على التكيف.”
في منزل حسنى: الابنة الكبرى تدرس في ضوء ضعيف والأطفال الأصغر يتكيفون مع واقع صعب وكل يوم يبدأ بسؤال: ما المتاح؟ وما الذي يمكن الاستغناء عنه؟
وتختتم حسنى بقولها: “لم يعد انقطاع الكهرباء أمرًا مؤقتًا… بل أصبح واقعًا يوميًا لا يُحتمل.”
الجزيرة