هل الحرب على حركة الشباب المجاهدين أم على هوية الشعب الصومالي المسلم؟ تحقيق استقصائي يكشف الوجه الخفي للمعركة في وسط وجنوب الصومال
في الجزء الأول من هذا التقرير المتسلسل، نفتح ملف المديريات والمناطق الواقعة ضمن ولايتي هيران وشبيلي الوسطى في وسط وجنوب الصومال، ونعود بالذاكرة إلى ما قبل عامين من الهجوم الذي شنّته الولايات المتحدة وحلفاؤها على هذه المناطق، لنكشف حجم الانتهاكات التي ارتُكبت، ونرصد في ختام هذا الجزء ملامح الواقع الراهن هناك.
انطلقنا في رحلة ميدانية هدفها الوصول إلى الحقيقة الكاملة وراء ذلك الهجوم العدواني، والذي استهدف قبل عام أربع ولايات رئيسية: هيران، شبيلي الوسطى، جلجدود، ومدق. صراعٌ لم يكن مجرد مواجهة عسكرية، بل محطة كشفت حجم العداء الموجه ضد عموم الشعب الصومالي المسلم.
أيها القارئ، هل تساءلت يومًا: إن كانت تلك الحرب موجهة فعلًا ضد حركة الشباب المجاهدين، أم أنها استهدفت في جوهرها هوية شعبٍ مسلم يسعى إلى التحاكم إلى شرع الله؟
وفق التصريحات الرسمية لكل من الولايات المتحدة وحلفائها، فقد رُفع شعار “القضاء على المجاهدين” بهدف إضعافهم وإنهاء النظام القائم على الشريعة الإسلامية في تلك المناطق. غير أن تطورات الأحداث على الأرض – كما يروي شهود – أظهرت وجهًا مغايرًا لما تم الترويج له، حيث بدا أن الخطاب المعلن لا يعكس بالضرورة واقع العمليات، في ظل اتهامات بمحاولات التأثير على الرأي العام وتشويه صورة الخصوم.
وفي خضم هذا المشهد المعقّد، تبرز مجموعة من التساؤلات الجوهرية التي تفرض نفسها بقوة:
هل تم بالفعل إقصاء المجاهدين من المشهد الصومالي؟
وإذا كانت الحكومة الصومالية – برئاسة حسن شيخ محمود – تمثل الدولة، فهل من مهام الدولة أن تدخل في مواجهات تؤدي إلى سقوط ضحايا مدنيين وتدهور الأوضاع الإنسانية؟ أم أن دورها الأساس يتمثل في حماية مواطنيها وضمان استقرارهم؟
وأي نموذج للدولة ذاك الذي تُوجَّه فيه الضربات إلى البنية التحتية ومصادر معيشة السكان؟
ومن زاوية أخرى، يطرح الواقع أسئلة موازية:
ما طبيعة العلاقة بين هذه الجماعات والسكان المحليين؟
وماذا تسعى إليه الحكومة الصومالية وحلفاؤها الدوليون من خلال هذه العمليات العسكرية؟
إجابات هذه الأسئلة، إلى جانب تفاصيل ميدانية دقيقة، نعرضها في هذا التقرير بدءًا من مديرية بوق أقبلي، إحدى أبرز مدن ولاية هيران. كما ننقل شهادات حيّة من مسؤولين محليين وشيوخ عشائر، بعضهم عايش الأحداث بشكل مباشر.
هنا بوق أقبلي، في ولاية هيران، إحدى المناطق التي طالتها العمليات العسكرية التي شاركت فيها قوات أمريكية إلى جانب حلفاء محليين. ووفق روايات سكان، فقد أسفرت تلك العمليات عن سقوط ضحايا مدنيين وإصابة آخرين، نتيجة غارات جوية وهجمات برية استهدفت المنطقة.
للوقوف على تفاصيل ما جرى، استمعنا إلى شهادة الشيخ إسحاق بارو أمين، الذي وصف المرحلة بأنها “بالغة القسوة”، مشيرًا إلى أن العمليات العسكرية تسببت في نزوح عدد من السكان وتضرر ممتلكاتهم، إلى جانب وقوع قتلى وجرحى، في ظل استخدام القصف الجوي.
أما ما حدث في أطراف بوق أقبلي، فيحمل رواية أخرى من المعاناة. خلال زيارتنا لتلك المناطق، التقينا بعدد من الأهالي الذين سردوا تفاصيل ما واجهوه.
تقع منطقة دابيودلي على بُعد عشرات الكيلومترات من بوق أقبلي، وقد شهدت هي الأخرى موجة نزوح وخسائر مادية. وخلال الزيارة، عاينّا مدرسة لتحفيظ القرآن مدمّرة بالكامل، كانت تُستخدم في تعليم أبناء المنطقة دون أي أنشطة أخرى.
كما التقينا بعدد من وجهاء المنطقة، من بينهم الشيخ إيدل مؤمن بارو، وهو من كبار شيوخها ويبلغ من العمر 70 عامًا، حيث روى شهادته حول الظروف الصعبة التي مر بها السكان خلال تلك الأحداث.
وفي ضوء هذه الشهادات، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل تعكس هذه العمليات مجرد مواجهة عسكرية محدودة، أم أنها جزء من مشهد أوسع تتداخل فيه السياسة بالأمن، وتنعكس آثاره على حياة المدنيين في هذه المناطق؟