ما بعد عقدين من الحرب.. معهد أمريكي يدعو إلى إنهاء التدخل في الصومال ويحذر من كلفة الاعتراف بـصوماليلاند
ما حقيقة الجدل المتصاعد داخل الولايات المتحدة بشأن الصومال؟ وما التوصيات العاجلة التي وُجِّهت إلى إدارة الرئيس دونالد ترامب؟ وما سر مشاعر القلق والاضطراب التي يُبديها المسؤولون الصوماليون؟
أصدر معهد أولويات الدفاع (ديفينس برايوريتيز)، ومقره العاصمة الأمريكية واشنطن، وهو مركز بحثي يُعنى بقضايا الأمن والسياسة والاستراتيجية العسكرية للولايات المتحدة، تقريرًا صدر الثلاثاء الماضي، تناول فيه بالتفصيل ما اعتبره حجم الخسائر التي تكبدتها الولايات المتحدة جراء تدخلها العسكري في الصومال، كما استعرض ما ينبغي لإدارة الرئيس دونالد ترامب اتخاذه في المرحلة الراهنة.
ووصف التقرير بأنه أمر يثير الدهشة أن الولايات المتحدة، رغم إخفاقها في تحقيق أهدافها العسكرية في الصومال، ما تزال تواصل شن الغارات الجوية، في وقت لم تُدرج فيه الصومال أصلًا ضمن استراتيجية الأمن القومي الأمريكي للأعوام 2025–2026، ولا ضمن استراتيجية الدفاع الأمريكية.
وأضاف التقرير أن من المستغرب أيضًا أن إدارة ترامب تدرس الاعتراف بإقليم صوماليلاند، الذي أعلن انفصاله من جانب واحد في شمال الصومال، مع بحث إنشاء ما يصل إلى أربع قواعد عسكرية أمريكية جديدة فيه، على غرار القاعدة العسكرية الأمريكية القائمة في جيبوتي.
ووصف التقرير بأنه طرح مضلل أن تبرر الولايات المتحدة استهدافها للصومال بذريعة ما تسميه «مكافحة الإرهاب»، مشيرًا إلى أن واشنطن دأبت على استخدام أوصاف ومصطلحات مبالغ فيها لتبرير عملياتها العسكرية وإضفاء الشرعية عليها، وهو النهج الذي أكد المعهد أنه تعرض لانتقادات صريحة من مسؤولين بارزين في الإدارة الأولى للرئيس ترامب.
وأوضح المعهد أن هذه الدراسة الجديدة تركز على بيان أن السياسة الأمريكية الحالية في الصومال لا تحقق أي مكاسب استراتيجية للولايات المتحدة، بل تؤدي إلى زيادة الأعباء المالية والعسكرية، في ظل انتهاء القوة العسكرية الأمريكية المستخدمة ضد حركة الشباب المجاهدين إلى نتائج محدودة، دون تحقيق الأهداف المرجوة.
كما شددت الدراسة على أن أي اعتراف أمريكي بإدارة صوماليلاند لن يؤدي إلا إلى زيادة حالة عدم الاستقرار في الصومال ومنطقة القرن الإفريقي، وهو ما سيترتب عليه أيضًا ارتفاع إضافي في الكلفة التي تتحملها الولايات المتحدة.
وجاء في التقرير: »كلما وسعت الولايات المتحدة عملياتها العسكرية في الصومال، ازدادت احتمالات وقوعها في ما يُعرف بـ(مغالطة التكلفة الغارقة)، أي الاستمرار في اتخاذ قرارات مستقبلية استنادًا إلى الأموال والوقت والجهود التي أُنفقت سابقًا، رغم ثبوت عدم جدوى تلك الاستثمارات.«
وبناءً على ذلك، أوصى التقرير بأن تعترف الولايات المتحدة بأن مصالحها في الصومال محدودة، وأن تضع حدًا لانخراطها العسكري المباشر، وأن تتراجع عن مشروع الاعتراف بـصوماليلاند، مع تجنب إنشاء قواعد عسكرية جديدة أو إرسال قوات إضافية إلى منطقة شرق إفريقيا.
واستشهد التقرير بتجربة عام 1992، عندما دفعت الولايات المتحدة بنحو 28 ألف جندي إلى الصومال، قبل أن ينتهي ذلك التدخل بكارثة أكتوبر/تشرين الأول 1993 المعروفة باسم »سقوط الصقر الأسود» (بلاك هوك داون)، والتي أسفرت عن مقتل عدد كبير من الجنود الأمريكيين.
وأضاف التقرير أنه بعدما تبين للإدارة الأمريكية آنذاك أن كلفة العملية وخسائرها تجاوزت ما تحققه من مصالح قومية، قرر الرئيس بيل كلينتون في مارس/آذار 1994 سحب جميع القوات الأمريكية من الصومال.
وأشار التقرير إلى أن العمليات العسكرية الأمريكية عادت بصورة مباشرة إلى الصومال منذ عام 2000، ضمن ما وصفته واشنطن بالحرب العالمية ضد حركة الشباب المجاهدين، مضيفًا أن الولايات المتحدة أنشأت داخل الصومال ما لا يقل عن ست قواعد عسكرية معروفة.
كما ذكر التقرير أنه في عام 2020 سحب الرئيس دونالد ترامب نحو 700 جندي أمريكي من الصومال، وأعاد تمركزهم في كينيا، حيث واصلوا تنفيذ العمليات الخاصة، إلى جانب الهجمات التي تنفذها الطائرات المسيّرة داخل الأراضي الصومالية.
وأضاف التقرير أن إدارة ترامب قد تتجه أيضًا إلى توسيع نطاق الانخراط الأمريكي في الصومال بوسائل أخرى، موضحًا أن الإدارة تجري مباحثات مع سلطات صوماليلاند بهدف الاستفادة من المعادن الإستراتيجية الموجودة هناك، إلى جانب إنشاء أربع قواعد عسكرية جديدة، بحرية وجوية.
واختتم هذا الجزء بالإشارة إلى أن إدارة ترامب تدرس حاليًا إمكانية الإقدام على خطوة مماثلة لتلك التي اتخذتها إسرائيل عندما اعترفت بـصوماليلاند بوصفها كيانًا مستقلًا.
وأضافت الدراسة أنه لا تتوافر حتى الآن بيانات دقيقة تكشف الحجم الحقيقي للنفقات الهائلة التي أنفقتها الولايات المتحدة على عملياتها العسكرية في الصومال منذ عام 2003، غير أنها رجحت أن تلك الكلفة بلغت مئات الملايين من الدولارات.
وأشار التقرير إلى ما ورد في دراسة أصدرها مشروع تكاليف الحروب التابع لجامعة براون عام 2023، والتي خلصت إلى أن محاولات حصر وتتبع إجمالي الأموال التي أُنفقت في الصومال واجهت صعوبات بالغة، حتى بات الوصول إلى رقم دقيق أمرًا غير ممكن.
وأوضح التقرير أن السبب في ذلك يعود إلى أن وزارة الدفاع الأمريكية تخفي البيانات المتعلقة بالنفقات المخصصة لأعمال الاستخبارات، والعمليات العسكرية ــ بما في ذلك غارات الطائرات المسيّرة، والغارات الجوية، وعمليات القوات الخاصة ــ فضلًا عن الأموال التي تُصرف على المتعاقدين العاملين في الصومال.
ونقل المعهد، استنادًا إلى موظفين في الكونغرس الأمريكي، أن هذا الغموض في البيانات قوض قدرة الكونغرس على ممارسة دوره الرقابي على العمليات الأمريكية في الصومال، مؤكدًا في الوقت نفسه أن أي أموال تنفقها الولايات المتحدة على الحرب في الصومال لا تمثل ــ بحسب التقرير ــ إنفاقًا يستحق تلك الكلفة.
وأضافت الدراسة أن الإنفاق الإضافي المتوقع على إنشاء قواعد عسكرية أمريكية جديدة داخل مناطق صوماليلاند، أو المضي نحو الاعتراف الرسمي بالإدارة هناك، لا يمثل هو الآخر استثمارًا مبررًا أو ذا جدوى.
ومن جانب آخر، اعتبر التقرير أن من بين أهداف حركة الشباب المجاهدين المعلنة إخراج جميع القوات الأجنبية من الأراضي الصومالية، وذهب إلى أن هذا الهدف يعد ــ بحسب الدراسة ــ حقًا مشروعًا، مشيرًا إلى أن هذا الطرح تتبناه كذلك تريشيا بيكون، الأستاذة في الجامعة الأمريكية، والمسؤولة السابقة في مكتب مكافحة ما تصفه الولايات المتحدة بالإرهاب في وزارة الخارجية الأمريكية.
وأضاف المعهد أن حركة الشباب المجاهدين، في ظل تعرضها لهجوم عسكري خارجي، رأت أن من حقها تنفيذ الهجمات الكبرى التي شهدتها المنطقة، ومن بينها الهجوم الذي استهدف عام 2020 قاعدة ماندا باي الأمريكية في كينيا، باعتبار أن جميع الدول التي استهدفتها الحركة كانت دولًا تشارك قواتها في العمليات العسكرية داخل الصومال.
وأقرت الدراسة أيضًا بأن حركة الشباب المجاهدين لم تُهزم عسكريًا، مشيرة إلى أن كل الجهود العسكرية والمالية الكبيرة التي بُذلت لدفعها إلى التراجع لم تلبث أن انتهت باستعادة الحركة للمناطق التي فقدتها.
واستشهد التقرير بما أورده خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي، حيث جاء فيه: »بعد أكثر من خمسة عشر عامًا من العمليات العسكرية ضد حركة الشباب، بما في ذلك الغارات الجوية، ما تزال الحركة تحتفظ بقوتها، ولا تزال تمتلك القدرة على تنفيذ هجمات معقدة .«
وأضافت الدراسة أن الحرب الواسعة التي تخوضها القوى الأجنبية ضد حركة الشباب المجاهدين لم تؤدِّ إلى إضعافها، بل أسهمت ــ بحسب التقرير ــ في زيادة قوتها.
كما نقل التقرير عن أحد الباحثين في معهد أمريكان إنتربرايز قوله إن حركة الشباب المجاهدين استفادت من السياسات الأمريكية الخاطئة، وحققت مكاسب نتيجة تلك المقاربات.
وفي السياق ذاته، أشار برونوين بروتون، الباحث في المجلس الأطلسي (أتلانتيك كاونسل)، إلى أن الآمال التي عُقدت طوال العقدين الماضيين على القوات الحكومية الصومالية انتهت إلى مجرد أوهام، وهو ما اعتبره المعهد دليلًا واضحًا على فقدان الثقة في قدرة تلك القوات على الاحتفاظ بالمناطق التي تنتزعها.
وجاء في الدراسة: »كل انتصار يتحقق على حركة الشباب يظل انتصارًا مؤقتًا سرعان ما يتلاشى، وهو ما تجدد ظهوره مرة أخرى خلال عام 2025. «
كما رأى روبرت بيب، الأستاذ في جامعة شيكاغو وأحد أبرز المتخصصين في دراسة القوة الجوية، أن الغارات الجوية كثيرًا ما تؤدي إلى خلق حالة من التعاطف المحلي مع الجماعات الجهادية، الأمر الذي يساعدها على استقطاب مقاتلين جدد.
ومن جهة أخرى، أكد المعهد أن الاعتراف بـصوماليلاند وإنشاء قواعد عسكرية أمريكية جديدة فيها لن يسهما بدرجة كبيرة في تعزيز المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة، بل ستتحول تلك القواعد مستقبلًا إلى أهداف محتملة للجماعات الجهادية.
وأضافت الدراسة أن الاعتراف بـصوماليلاند قد يؤدي إلى تأجيج المخاوف المتجذرة لدى الصوماليين إزاء التدخلات الأجنبية، وهو ما قد يسهم بدوره في زيادة تدفق الشباب نحو الالتحاق بصفوف الجماعات الجهادية.
وأشار التقرير إلى أنه في حال مضت الولايات المتحدة في الاعتراف بـصوماليلاند، فمن المرجح أن تحذو إثيوبيا حذوها، سعيًا إلى تنفيذ مذكرة التفاهم الخاصة بالبحر، الأمر الذي من شأنه أن يزيد من تفاقم حالة عدم الاستقرار في الصومال وفي منطقة القرن الإفريقي عمومًا.
وفي ختام الدراسة، أوصى المعهد الولايات المتحدة بأن تُنهي خلال الأشهر المقبلة وجودها العسكري في الصومال بصورة كاملة، وأن تضع حدًا لتدخلها العسكري الذي استمر سنوات طويلة.
وأضاف التقرير أنه من أجل وقف النزيف العسكري والمالي، ينبغي لواشنطن أن تضع بصورة عاجلة جدولًا زمنيًا لسحب قواتها من الصومال، وأن توقف حملتها الجوية هناك، وأن تتجنب المضي في الاعتراف بـصوماليلاند.
وأشار التقرير إلى أن هذه الدراسة الصادرة عن معهد أولويات الدفاع (ديفينس برايوريتيز)، والتي أعادت نشرها أيضًا وسائل إعلام أمريكية أخرى، جاءت بعد أسبوعين فقط من إبلاغ إدارة الرئيس دونالد ترامب الاتحاد الإفريقي رسميًا بأنها ستوقف، مع نهاية العام الجاري، جميع أشكال الدعم التي كانت تقدمها للقوات الإفريقية المشاركة في المهمة العسكرية داخل الصومال، بعد ما يقارب عقدين من الزمن.
ولفت التقرير إلى أنه منذ إعلان الولايات المتحدة هذا القرار، تصاعدت بصورة ملحوظة حالة القلق والاعتراض في أوساط المسؤولين الصوماليين.
ومن بين الذين عبّروا عن هذا القلق، الرئيس الصومالي الأسبق شريف شيخ أحمد، الذي تحدث مساء الخميس خلال لقاء عُقد في العاصمة مقديشو، وقال: » البلاد اليوم لا توجد فيها مناطق كثيرة يمكن الاعتماد على استقرارها بصورة كاملة، كما أننا مقبلون على ظروف جديدة، في ظل وقف التمويل عن قوات بعثة الاتحاد الإفريقي (AUSSOM)، وحتى القوات الصومالية نفسها لا يُعرف من أين ستتلقى رواتبها، ولذلك فإن الجميع يعيش حالة من القلق والاضطراب«.
كما أقر حسين معلم، المستشار الأمني السابق للرئيس حسن شيخ محمود، خلال كلمته في اللقاء نفسه، بأن الحكومة الصومالية لن تتمكن من الاستمرار إذا غادرت القوات الأجنبية البلاد.
وقال: »إذا انسحبت القوات الأجنبية في ظل هذه الظروف، فلا أرى أن الحكومة تمتلك القدرة على الحفاظ على الأمن. أما الكيفية التي يمكن أن تنهار بها فلا يعلمها إلا الله، لكن الحقيقة أن القوات الأجنبية كانت تمثل الأعمدة التي تستند إليها الدولة، غير أن من المؤكد أن أي دولة لا يمكن أن تقوم بصورة دائمة على قوات أجنبية«.