التدخلات الأمريكية في الصومال.. هل ساهمت واشنطن في إطالة أمد الأزمة؟

على مدى أكثر من ثلاثة عقود، ظل الصومال أحد أبرز نماذج التدخلات الخارجية التي أثارت جدلًا واسعًا بشأن نتائجها السياسية والأمنية. وبينما تؤكد الولايات المتحدة أن وجودها العسكري يهدف إلى مكافحة الإرهاب ودعم مؤسسات الدولة، يرى عدد من الباحثين أن السياسات الأمريكية المتعاقبة أسهمت في تعقيد المشهد الصومالي وإطالة أمد الصراع، بدلًا من تحقيق الاستقرار المنشود.

ويأتي هذا الجدل في وقت كثفت فيه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب غاراتها الجوية ضد حركة الشباب المجاهدين وتنظيم داعش في شمال شرق الصومال، لتسجل معدلات غير مسبوقة من الضربات العسكرية خلال عام 2026.

من الحرب الباردة إلى انهيار الدولة

يرجع الباحث الأمريكي جوزيف سوليس-مولين جذور الأزمة الحالية إلى فترة الحرب الباردة، عندما دعمت الولايات المتحدة نظام الرئيس الأسبق محمد سياد بري خلال ثمانينيات القرن الماضي، بعد انتقاله من التحالف مع الاتحاد السوفيتي إلى المعسكر الغربي عقب حرب أوغادين.

وبحسب الباحث، قدمت واشنطن مساعدات عسكرية واقتصادية كبيرة للنظام الصومالي آنذاك، باعتباره حليفًا استراتيجيًا في منطقة القرن الإفريقي، رغم الانتقادات التي وُجهت إلى الحكومة بسبب حملات القمع والانتهاكات التي شهدتها البلاد في تلك الفترة.

ومع انتهاء الحرب الباردة، تراجع الاهتمام الأمريكي بالنظام، وسقطت حكومة سياد بري عام 1991، لتدخل البلاد في حرب أهلية وانهيار كامل لمؤسسات الدولة، وهي مرحلة أسفرت عن مقتل مئات الآلاف وانتشار المجاعة والانقسامات القبلية.

“بلاك هوك داون”.. نقطة تحول

في أوائل التسعينيات، قادت الولايات المتحدة تدخلًا عسكريًا ضمن بعثة أممية لحماية المساعدات الإنسانية، غير أن المهمة تطورت لاحقًا إلى عمليات عسكرية ضد الفصائل المسلحة في مقديشو.

وانتهى ذلك بالتدخل الشهير المعروف بمعركة “بلاك هوك داون” عام 1993، التي قُتل فيها 18 جنديًا أمريكيًا، إلى جانب مئات الصوماليين، في واحدة من أكثر المحطات تأثيرًا في السياسة الأمريكية تجاه الصومال.

ويرى الكاتب أن تلك التجربة لم تؤد إلى مراجعة شاملة للسياسة الأمريكية، بل عادت واشنطن إلى التدخل العسكري بعد سنوات تحت عنوان جديد هو “الحرب على الإرهاب”.

صعود المحاكم الإسلامية ثم حركة الشباب المجاهدين

مع تراجع نفوذ أمراء الحرب في منتصف العقد الأول من الألفية، ظهرت اتحاد المحاكم الإسلامية الذي تمكن من فرض قدر من الأمن والاستقرار في العاصمة مقديشو وعدد من مناطق جنوب البلاد.

لكن إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش اعتبرت هذا التطور تهديدًا أمنيًا، وقدمت دعمًا لتحالف من أمراء الحرب، كما دعمت التدخل العسكري الإثيوبي عام 2006 لإسقاط المحاكم الإسلامية وإعادة الحكومة الانتقالية إلى السلطة.

ويعتبر الكاتب أن هذا التدخل أدى إلى نتائج عكسية، إذ عزز المشاعر الوطنية المناهضة للتدخل الخارجي، وأضعف التيارات المعتدلة داخل المحاكم الإسلامية، بينما برزت حركة الشباب المجاهدين – التي كانت تمثل الجناح العسكري للشباب داخل المحاكم – كأقوى قوة مسلحة في البلاد.

ومنذ ذلك الحين، تحولت الحركة إلى التهديد الأمني الأكبر في الصومال، مع استمرارها في السيطرة على مناطق ريفية واسعة وتنفيذ هجمات داخل الصومال وخارجه.

الدولة الفيدرالية وصراع الصلاحيات

ويرى الكاتب أن الأزمة الصومالية لم تعد تقتصر على المواجهة مع الجماعات المسلحة، بل تشمل أيضًا خلافات سياسية بين الحكومة الفيدرالية في مقديشو والولايات الأعضاء.

وتبرز هذه الخلافات في ملفات تقاسم الموارد، وصلاحيات الأجهزة الأمنية، وإدارة الانتخابات، وتعديل الدستور، وهي قضايا كثيرًا ما تسببت في توترات بين الحكومة المركزية وولايات مثل بونتلاند وجوبالاند.

كما يشير الكاتب إلى أن إقليم أرض الصومال (صوماليلاند)، الذي يدير شؤونه بصورة منفصلة منذ أكثر من ثلاثة عقود، يقدم – من وجهة نظره – نموذجًا مختلفًا للاستقرار المحلي مقارنة بجنوب البلاد، رغم عدم حصوله على اعتراف دولي كدولة مستقلة.

الغارات الأمريكية.. مكافحة الإرهاب أم تعميق الأزمة؟

ويؤكد الكاتب أن واشنطن لا تزال تعتمد بشكل رئيسي على الضربات الجوية والعمليات الخاصة ودعم القوات المحلية والإقليمية لمواجهة حركة الشباب المجاهدين.

لكن، بحسب رؤيته، فإن التركيز على الحلول العسكرية دون معالجة الأسباب السياسية للصراع، مثل الخلافات الداخلية وضعف مؤسسات الحكم، لا يؤدي إلى إنهاء التهديد، بل يمنح الجماعات الجهادية فرصة لتعزيز خطابها المناهض للتدخل الأجنبي واستقطاب المزيد من المجندين.

كما يرى أن مليارات الدولارات التي أنفقتها الولايات المتحدة على تدريب القوات الصومالية ودعم بعثات الاتحاد الإفريقي لم تحقق حتى الآن حسمًا عسكريًا ضد حركة الشباب، التي لا تزال تحتفظ بقدراتها العملياتية.

ويخلص الكاتب إلى أن تحقيق الاستقرار في الصومال يتطلب منح الأولوية للحلول السياسية الداخلية، وتعزيز النظام الفيدرالي، واحترام خصوصية الأقاليم، بدلًا من الاعتماد المستمر على التدخلات العسكرية الخارجية.