الشرع يتحدث عن اتفاق أمني مع الاحتلال الإسرائيلي .. هل تتجه سوريا إلى مرحلة جديدة؟

قال الرئيس السوري أحمد الشرع إن بلاده تعمل بشكل نشط من أجل التوصل إلى اتفاق أمني مع الاحتلال الإسرائيلي، في خطوة تعكس تحولات كبيرة في المشهد الإقليمي، وتفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول مستقبل العلاقات بين دمشق وتل أبيب، ومصير الجولان السوري المحتل، ومستقبل الدور السوري في المنطقة.

وفي مقابلة حصرية مع برنامج «المقابلة» على قناة الجزيرة، أوضح الشرع أن سوريا تشارك في جهود تهدف إلى التوصل لاتفاق أمني مع تل أبيب، مشيرًا إلى وجود دول أخرى منخرطة في المحادثات الجارية. وأكد في الوقت نفسه أن أي اتفاق محتمل لن يعني تخلي سوريا عن مطالبتها بحقها في هضبة الجولان، التي يحتلها الاحتلال الإسرائيلي منذ حرب عام 1967.

وتأتي هذه التصريحات في ظل واقع ميداني معقد، إذ تسيطر تل أبيب على الجولان منذ عقود، كما وسعت وجودها العسكري داخل الأراضي السورية عقب سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، عندما توغلت قواتها في مناطق من جنوب غربي سوريا.

اتفاق أمني دون التخلي عن الجولان

يمثل حديث الشرع عن اتفاق أمني مع الاحتلال تحولًا لافتًا في السياسة السورية، خصوصًا بالنظر إلى التاريخ الطويل من الصراع بين البلدين. فقد خاضت سوريا عدة حروب ضد الاحتلال، كان أبرزها حرب يونيو/حزيران 1967 التي انتهت باحتلال هضبة الجولان، ثم حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973.

ومن هذا المنطلق، يبدو أن دمشق تحاول الفصل بين مسارين: الأول يتعلق بالترتيبات الأمنية وتهدئة الحدود ومنع التصعيد العسكري، والثاني يتعلق بالحقوق الإقليمية والسياسية، وعلى رأسها قضية الجولان.

ويعكس هذا الطرح محاولة للتوصل إلى صيغة تضمن لسوريا قدرًا من الاستقرار الأمني دون تقديم تنازل رسمي عن المطالبة بالأراضي التي تعتبرها محتلة. إلا أن نجاح أي اتفاق من هذا النوع سيبقى مرتبطًا بمواقف تل أبيب، التي لم تُظهر استعدادًا للتخلي عن سيطرتها على الجولان، فضلًا عن تعقيدات الوجود العسكري الإسرائيلي في الأراضي السورية التي سيطرت عليها خلال الفترة الأخيرة.

لبنان خارج حسابات دمشق

وفي الملف اللبناني، قال الشرع إن حكومته لا تعتزم التدخل في شؤون لبنان، في وقت تشهد فيه الساحة اللبنانية تصعيدًا عسكريًا وسياسيًا واسعًا.

ويحمل هذا الموقف أهمية خاصة بالنظر إلى الدور الذي لعبته سوريا لعقود في لبنان، حيث كان الوجود السوري عنصرًا رئيسيًا في المشهد السياسي والأمني اللبناني. ولذلك فإن إعلان دمشق عدم التدخل في لبنان قد يشير إلى رغبة القيادة السورية الجديدة في إعادة تعريف سياستها الإقليمية، والتركيز على الملفات الداخلية وإعادة بناء الدولة.

كما يمكن أن يكون هذا الموقف جزءًا من محاولة لتقديم سوريا الجديدة باعتبارها دولة تسعى إلى تجنب الانخراط في صراعات إقليمية مباشرة، في وقت تعاني فيه البلاد من تحديات أمنية وسياسية واقتصادية كبيرة.

من الجولاني إلى الشرع

يحمل صعود أحمد الشرع إلى الرئاسة السورية تحولًا دراماتيكيًا في مسيرته السياسية والعسكرية. فقد عُرف سابقًا باسم «أبو محمد الجولاني»، وقاتل في صفوف تنظيم القاعدة في العراق ضد القوات الأمريكية، قبل أن تعتقله القوات الأمريكية عام 2006، ثم يخرج من السجن عام 2011.

وفي عام 2012، انتقل إلى سوريا وتولى قيادة جبهة النصرة، التي كانت تمثل فرع تنظيم القاعدة في البلاد آنذاك. وخلال سنوات الحرب السورية، أصبح أحد أبرز الفاعلين في الصراع المسلح ضد حكومة بشار الأسد، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى موقع سياسي مختلف تمامًا مع انهيار نظام الأسد وتوليه قيادة البلاد.

هذا التحول من قائد لجماعة جهادية مسلحة إلى رئيس دولة يجعل كل خطوة سياسية يتخذها الشرع موضع مراقبة إقليمية ودولية، خصوصًا فيما يتعلق بعلاقاته مع الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي والقوى الإقليمية.

نهاية «الهلال الشيعي»؟

على مدى سنوات، كانت سوريا جزءًا أساسيًا من منظومة إقليمية ارتبطت بإيران، وامتدت عبر العراق إلى سوريا ولبنان، فيما عُرف سياسيًا وإعلاميًا بمصطلح «الهلال الشيعي». وقد شكل هذا الامتداد الجغرافي مصدر قلق للولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي، باعتباره منح إيران نفوذًا استراتيجيًا واسعًا في المنطقة.

وخلال الحرب السورية، دعمت الولايات المتحدة قوى مسلحة معارضة لنظام الأسد، بينما انخرطت إيران وحزب الله في دعم الحكومة السورية. وكان الصراع في سوريا بذلك جزءًا من مواجهة إقليمية أوسع على النفوذ بين قوى متعددة.

ومع سقوط نظام الأسد وصعود قيادة جديدة في دمشق، تبدلت موازين القوى بصورة كبيرة. فقد تراجع النفوذ الإيراني في سوريا، بينما أصبحت البلاد أمام واقع سياسي جديد قد يعيد رسم علاقاتها مع الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي والدول العربية.

هل تتغير علاقة سوريا بالغرب؟

إن الحديث عن اتفاق أمني مع تل أبيب لا يمكن فصله عن المساعي السورية للحصول على اعتراف دولي ودعم غربي. فالقيادة الجديدة في دمشق تواجه تحديات ضخمة، من بينها إعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحقيق الاستقرار الداخلي، وإعادة إعمار البلاد، والتعامل مع العقوبات والضغوط الاقتصادية.

لكن في المقابل، تواجه حكومة الشرع انتقادات بسبب الانتهاكات وأعمال العنف التي شهدتها البلاد، بما في ذلك اتهامات بوقوع مجازر استهدفت أبناء الطائفتين الدرزية والعلوية. ومن شأن هذه الملفات أن تؤثر في علاقة الحكومة الجديدة بالدول الغربية، وأن تجعل أي انفتاح دولي عليها مرتبطًا بمدى قدرتها على فرض الأمن وحماية المكونات المختلفة داخل سوريا.

كما أن الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي ينظران تاريخيًا إلى الجماعات السنية المسلحة باعتبارها عاملًا يمكن أن يحد من نفوذ إيران والقوى الشيعية المتحالفة معها. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الغرب سيمنح القيادة السورية الجديدة دعمًا مفتوحًا؛ إذ ستبقى مصالحه الأمنية والسياسية وملف حقوق الإنسان والاستقرار الداخلي عوامل حاسمة في تحديد مستقبل العلاقة.

مرحلة جديدة أم إعادة تموضع؟

يبدو أن تصريحات أحمد الشرع بشأن الاتفاق الأمني مع تل أبيب تعكس محاولة لإعادة تموضع سوريا داخل النظام الإقليمي. فبعد سنوات من التحالف الوثيق مع إيران والصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، تقف دمشق اليوم أمام فرصة لإعادة بناء علاقاتها الخارجية على أسس مختلفة.

لكن الطريق نحو اتفاق أمني دائم لن يكون سهلًا. فهناك ملفات شديدة الحساسية، في مقدمتها الجولان، والوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، وأمن الحدود، ومستقبل العلاقات مع لبنان، إضافة إلى الوضع الداخلي السوري المعقد.

وبينما تسعى القيادة السورية الجديدة إلى تثبيت أقدامها داخليًا وفتح قنوات مع القوى الدولية والإقليمية، فإن أي اتفاق مع تل أبيب سيظل اختبارًا حقيقيًا لسياساتها. فنجاحها في تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن والانفتاح الدولي من جهة، والحفاظ على الموقف السوري من قضية الجولان والسيادة الوطنية من جهة أخرى، سيحدد إلى حد كبير شكل سوريا الجديدة ودورها في المنطقة.

وفي النهاية، فإن حديث الشرع عن اتفاق أمني لا يعني بالضرورة أن سوريا دخلت بالفعل في مسار تطبيع سياسي كامل مع تل أبيب، لكنه يشير بوضوح إلى أن دمشق تدرس خيارات جديدة في التعامل مع الواقع الإقليمي. وبينما تتغير التحالفات وتتبدل موازين القوى، يبقى السؤال الأهم: هل تنجح سوريا في استثمار هذا التحول لاستعادة استقرارها وسيادتها، أم أن الاتفاقات الأمنية الجديدة ستعيد رسم موقعها في المنطقة بشروط تفرضها القوى الأكثر نفوذًا؟