الولايات المتحدة توسّع وجودها العسكري في بوصاصو وتكثّف غاراتها على الصومال
في خطوة تعكس تنامي الحضور العسكري الأميركي في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وقّعت الولايات المتحدة اتفاقاً جديداً مع إدارة بونتلاند يقضي بتوسيع الوجود العسكري الأميركي في مدينة بوصاصو الساحلية، الواقعة على خليج عدن شمال شرقي الصومال، بالتزامن مع تصعيد مستمر في الضربات الجوية الأميركية داخل البلاد.
وأعلنت حكومة بونتلاند، عقب لقاء جمع رئيسها سعيد عبد الله دني بوفد عسكري أميركي برئاسة اللواء كلود تيودور، قائد العمليات الخاصة الأميركية في أفريقيا، أن الجانبين توصلا إلى اتفاق لتعزيز التعاون العسكري وتوسيع القاعدة الأميركية في بوصاصو.
وبحسب بيان حكومة بونتلاند، فإن توسيع القاعدة يهدف إلى “تحسين العمليات ضد الإرهاب والمساعدة في حماية الأمن البحري”، في إشارة إلى الموقع الاستراتيجي للمدينة المطلة على خليج عدن، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
لكن الاتفاق يثير تساؤلات حول الأهداف الأوسع للوجود الأميركي في المنطقة، خصوصاً في ظل تصاعد التوترات في البحر الأحمر وخليج عدن، والعودة إلى المواجهات العسكرية في اليمن. إذ يمكن أن يمنح الموقع العسكري في بوصاصو الولايات المتحدة قدرة أكبر على تنفيذ عمليات ومراقبة التحركات البحرية في المنطقة، وربما استخدامه كنقطة انطلاق لعمليات تستهدف جماعة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن.
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات عسكرية وجيوسياسية متسارعة، مع استمرار التوترات حول الملاحة في البحر الأحمر، وسعي قوى إقليمية ودولية إلى تعزيز وجودها العسكري بالقرب من الممرات البحرية الحيوية.

اتفاق يتجاوز الحكومة المركزية في مقديشو
ويكتسب الاتفاق أهمية سياسية إضافية بسبب طبيعة العلاقة المتوترة بين بونتلاند والحكومة الفيدرالية في مقديشو. فقد انسحبت بونتلاند من النظام الفيدرالي عام 2024 على خلفية خلافات سياسية ودستورية، فيما شهد العام الحالي مواجهات بين قوات موالية للحكومة المركزية وقوات أمنية تابعة للإدارة المحلية.
وبحسب تقارير إعلامية، فإن الاتفاق الأميركي مع بونتلاند جرى من دون المرور بالحكومة الفيدرالية في مقديشو، وهو ما قد يفتح باباً جديداً للتوتر بين الطرفين، خصوصاً أن الولايات المتحدة تعد من أبرز الداعمين للحكومة الفيدرالية في حربها ضد حركة الشباب المجاهدين.
وفي الوقت نفسه، تدعم واشنطن قوات بونتلاند المحلية في عملياتها ضد تنظيم داعش في شمال شرقي البلاد، ما يعكس سياسة أميركية تقوم على التعامل مع أطراف مختلفة داخل المشهد الصومالي وفقاً للأهداف العسكرية والأمنية لكل منطقة.
بوصاصو في قلب الحسابات الإقليمية
تتمتع بوصاصو بموقع استراتيجي بالغ الأهمية، فهي تقع على خليج عدن قبالة اليمن، بالقرب من أحد أهم طرق التجارة العالمية التي تربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس.
كما أن القاعدة التي تستخدمها القوات الأميركية في بوصاصو بُنيت بدعم إماراتي، وقد ارتبط اسمها خلال السنوات الماضية بدور إماراتي أوسع في المنطقة. ومع توسع الحضور الأميركي فيها، قد تتحول القاعدة إلى جزء من شبكة عسكرية أكبر للولايات المتحدة في القرن الأفريقي، تهدف إلى مراقبة خليج عدن والبحر الأحمر ومواجهة الجماعات المسلحة وحماية خطوط الملاحة.
ويأتي الاتفاق بعد زيارة المسؤول العسكري الأميركي إلى أرض الصومال، وهي منطقة تتمتع بحكم ذاتي بحكم الأمر الواقع داخل الحدود المعترف بها دولياً للصومال. وتكتسب الزيارة أهمية خاصة في ظل التطورات السياسية الأخيرة المتعلقة بأرض الصومال ومساعيها لتعزيز علاقاتها الخارجية، وسط اهتمام إسرائيلي بإقامة وجود عسكري واستخباراتي في المنطقة بهدف مراقبة التحركات في اليمن.
وهكذا، يبدو أن القرن الأفريقي يتحول تدريجياً إلى ساحة تنافس دولي وإقليمي متزايد، تتداخل فيها ملفات مكافحة ما يسمى الإرهاب مع أمن الملاحة والصراع في اليمن والتنافس على الموانئ والمواقع العسكرية.

تصعيد أميركي غير مسبوق في الصومال
بالتزامن مع الإعلان عن توسيع القاعدة في بوصاصو، أعلنت القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) تنفيذ غارة جوية جديدة في الصومال، استهدفت في 30 يوليو/تموز الماضي عناصر من حركة الشباب المجاهدين بالقرب من قرية جامامي في إقليم جوبا السفلى جنوب البلاد.
وتقول القيادة الأميركية إن الضربة استهدفت الحركة، لكنها لم تقدم تفاصيل إضافية عن العملية، كما توقفت منذ العام الماضي عن نشر تقديرات منتظمة حول الخسائر البشرية أو الأضرار المحتملة التي قد تلحق بالمدنيين.
وتُعد هذه الضربة، وفق الأرقام التي أعلنتها أفريكوم، الغارة الأميركية رقم 77 في الصومال خلال العام الجاري، إضافة إلى عمليات أخرى تستهدف تنظيماً تابعاً لتنظيم داعش في منطقة بونتلاند.
ويأتي ذلك بعد تصعيد كبير في العمليات الجوية الأمريكية خلال العام الماضي، إذ نفذت الولايات المتحدة ما لا يقل عن 124 غارة جوية في الصومال عام 2025، وفق الأرقام الواردة في التقرير، وهو رقم يعكس تحولاً واضحاً في حجم التدخل العسكري الأميركي.
وقد أثارت الغارات الأميركية السابقة انتقادات بسبب سقوط مدنيين، من بينهم أطفال، إذ أشارت تقارير صحفية إلى أن غارات أميركية نفذت في منطقة جامامي في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 أسفرت عن مقتل 12 مدنياً، بينهم ثمانية أطفال، وفق تحقيق نشرته صحيفة “الغارديان”.
نحو مرحلة جديدة من التدخل الأميركي؟
يعكس الجمع بين توسيع القاعدة العسكرية في بوصاصو وتصعيد الغارات الجوية الأميركية داخل الصومال توجهاً نحو تعزيز الدور العسكري الأميركي في منطقة القرن الأفريقي.
فواشنطن لا تنظر إلى الصومال باعتباره ساحة لمواجهة حركة الشباب المجاهدين وتنظيم داعش فقط، بل بات الموقع الجغرافي للبلاد يمنحها أهمية متزايدة في ظل الصراع على أمن البحر الأحمر وخليج عدن، والتوترات المتصاعدة في اليمن.
وقد يؤدي تعزيز الوجود الأمريكي في بوصاصو إلى زيادة قدرة واشنطن على مراقبة المنطقة وتنفيذ عمليات عسكرية واستخباراتية، لكنه في الوقت ذاته قد يثير حساسيات سياسية داخل الصومال، خاصة إذا اعتُبر الاتفاق تجاوزاً للحكومة الفيدرالية في مقديشو.
كما أن توسع القواعد الأجنبية في منطقة القرن الأفريقي يثير تساؤلات حول مستقبل السيادة الصومالية، في ظل وجود قوى دولية وإقليمية متعددة تسعى إلى تثبيت مواقعها بالقرب من الممرات البحرية الحيوية.
وبذلك، فإن الاتفاق الأميركي الجديد مع بونتلاند لا يبدو مجرد ترتيبات أمنية محلية لمكافحة ما يسمى الإرهاب، بل يأتي في سياق إعادة تشكيل الخريطة العسكرية في منطقة تمتد من الصومال وخليج عدن إلى اليمن والبحر الأحمر، حيث تتقاطع الحرب على الجماعات المسلحة مع صراع أوسع على النفوذ والموانئ والممرات البحرية الاستراتيجية.