غالكعيو تشعل الخلاف مجددًا.. بونتلاند تسيطر على قاعدة موالية للحكومة الفيدرالية
في تطور جديد يعكس اتساع الهوة بين الحكومة الفيدرالية الصومالية وإدارة بونتلاند، سيطرت قوات بونتلاند، الأربعاء 5 أغسطس/آب 2026، على قاعدة عسكرية في مدينة غالكعيو بعد اشتباكات مع قوات كانت موالية للإدارة الإقليمية قبل أن تعلن ولاءها للحكومة في مقديشو.
ويأتي التصعيد في وقت تشهد فيه العلاقة بين مقديشو وغروي توترًا متصاعدًا على خلفية الخلاف حول شكل الدولة الفيدرالية، وتعديلات دستورية ومسار الانتخابات، فضلًا عن اتهامات متبادلة بشأن التحركات العسكرية داخل المناطق المتنازع عليها.
عملية أمنية أم مواجهة سياسية؟
قال رئيس بونتلاند، سعيد عبد الله دني، إن قواته نفذت ما وصفه بـ”عملية أمنية مخططة”، مشيرًا إلى أن الهدف كان توجيه رسالة واضحة إلى من يعمل ضد إدارة بونتلاند.
وبحسب رواية دني، فإن المعسكر الذي استهدفته العملية شهد خلال الفترة الأخيرة نقل أسلحة ومعدات وقوات مرتبطة بالحكومة الفيدرالية، وهو ما اعتبرته بونتلاند تهديدًا لأمنها واستقرارها.
وتقع القاعدة بالقرب من مطار عبد الله يوسف أحمد في شمال غالكعيو، وكانت تحت سيطرة قوات كانت مرتبطة سابقًا ببونتلاند، قبل أن يعلن قادتها الولاء للحكومة الفيدرالية في مقديشو.
وأعلنت شرطة بونتلاند انتهاء العملية واعتقال أكثر من 100 شخص، بينما أفادت مصادر صحفية بأن الاشتباكات استمرت لأكثر من ساعة، وسُمع خلالها إطلاق قذائف في محيط المدينة، مع ورود تقارير عن سقوط ضحايا دون توفر حصيلة دقيقة ومستقلة حتى الآن.
وبحسب سكان تحدثوا إلى وكالة فرانس برس، تمكنت قوات بونتلاند من السيطرة على المعسكر، بينما انسحبت القوات المنافسة باتجاه جنوب غالكعيو بعد خسارتها الموقع.
مقديشو تلتزم الصمت
حتى وقت نشر التقارير، لم يصدر رد رسمي من الحكومة الفيدرالية الصومالية أو قادة القوات التي كانت تسيطر على القاعدة بشأن رواية بونتلاند وملابسات الاشتباكات.
وهذا الصمت يترك الباب مفتوحًا أمام احتمالات متعددة بشأن طبيعة ما جرى، خصوصًا أن الطرفين يقدمان الأزمة من زاويتين متعارضتين: بونتلاند ترى أن وجود قوات مرتبطة بمقديشو وتحركاتها العسكرية داخل المنطقة يمثل تهديدًا لأمنها، بينما يرتبط الخلاف الأوسع بصراع سياسي حول سلطة الحكومة المركزية وحدود صلاحيات الأقاليم الفيدرالية.
غالكعيو.. نقطة حساسة في الصراع
لا تكمن أهمية غالكعيو في كونها مدينة رئيسية في إقليم مدغ فحسب، بل في موقعها الحساس على خطوط التماس السياسية والأمنية بين القوى المحلية والفيدرالية.
ولذلك فإن انتقال قاعدة عسكرية إلى سيطرة بونتلاند بعد اشتباكات مع قوات موالية لمقديشو لا يمثل مجرد حادث أمني محلي، بل يحمل دلالة سياسية أكبر: الخلاف بين الطرفين بدأ ينعكس بصورة مباشرة على توزيع السيطرة العسكرية على الأرض.
وتأتي هذه التطورات بعد أسابيع من تصاعد التوتر بين بونتلاند والحكومة الفيدرالية، حيث اتهمت سلطات بونتلاند مقديشو بتعزيز وجودها العسكري في غالكعيو وتنفيذ تحركات اعتبرتها موجهة ضد الإدارة الإقليمية. كما حذرت بونتلاند من أن هذه التطورات قد تقوض الاستقرار الذي تتمتع به المنطقة منذ سنوات.
خلاف يتجاوز القاعدة العسكرية
يرتبط التصعيد الحالي بأزمة سياسية أوسع بين الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود ورئيس بونتلاند سعيد عبد الله دني.
فبونتلاند تعد من أبرز المعارضين لجهود الحكومة الفيدرالية الرامية إلى إعادة صياغة النظام السياسي والدستوري في البلاد، بينما ترى سلطات مقديشو أن تعزيز مؤسسات الدولة المركزية جزء من عملية بناء دولة صومالية أكثر تماسكًا.
وقد زادت التعديلات الدستورية التي أُقرت في مارس من حدة الخلاف، إذ ترى قوى معارضة أن التغييرات تمنح الرئيس صلاحيات أوسع وتعيد تشكيل قواعد العملية الانتخابية بما يخدم السلطة المركزية. وفي المقابل، تتمسك الحكومة بمسارها السياسي باعتباره جزءًا من إعادة بناء مؤسسات الدولة.
ولم تعد المواجهة بين الطرفين محصورة في البيانات السياسية؛ فقد شهدت الصومال خلال الفترة الأخيرة صدامات بين الحكومة الفيدرالية وإدارات إقليمية أخرى، ما يعكس هشاشة التوافق السياسي بين مقديشو ومكونات النظام الفيدرالي.
هل تتجه الأزمة إلى مواجهة أوسع؟
السيطرة على قاعدة في غالكعيو ترفع مستوى المخاطر، لأنها تنقل الخلاف من مستوى التوتر السياسي إلى مستوى أكثر حساسية يتمثل في التنافس على القوات والمواقع العسكرية.
وإذا استمرت عمليات إعادة التموضع العسكري وتبادل الاتهامات، فقد يصبح من الصعب احتواء الأزمة بالوسائل السياسية وحدها، خصوصًا في ظل غياب توافق واضح حول مستقبل النظام الفيدرالي والانتخابات وتوزيع الصلاحيات بين المركز والأقاليم.
لكن تحويل حادث غالكعيو إلى مواجهة شاملة ليس أمرًا حتميًا؛ إذ يبقى احتواء التصعيد ممكنًا إذا عادت الأطراف إلى التفاوض وتوافقت على ترتيبات تمنع نشر قوات متنافسة في المناطق الحساسة، وتفصل الخلاف السياسي عن المؤسسات الأمنية والعسكرية.
غير أن استمرار التوتر على هذا النحو يبعث برسالة مقلقة: الصراع السياسي في الصومال لم يعد يدور فقط حول الدستور والانتخابات، بل بدأ يختبر توازن القوة على الأرض.
وهنا تكمن خطورة تطورات غالكعيو؛ فالمعسكر الذي سقط في يد بونتلاند قد يكون مجرد نقطة عسكرية، لكن ما يجري حوله يعكس صراعًا أكبر على مستقبل الدولة الصومالية، وعلى السؤال الأكثر حساسية: من يملك القرار الأمني والعسكري في دولة يفترض أن نظامها قائم على الفيدرالية؟