بونتلاند تعيد تجميع قواتها.. عودة قيادات عسكرية وتراجع نفوذ مقديشو
في تطور جديد يعكس عمق الخلافات بين بونتلاند والحكومة الفيدرالية الصومالية، أعلنت سلطات بونتلاند أن مجموعات مسلحة كانت مرتبطة بالحكومة الفيدرالية وافقت على الانضمام إلى قوات دفاع بونتلاند.
وقد تبدو الخطوة، في ظاهرها، مجرد عملية لإعادة تنظيم قوات محلية، لكنها تحمل دلالات سياسية وأمنية أكبر؛ فهي تأتي في وقت تتنافس فيه غاروي ومقديشو على النفوذ، وعلى وجه الخصوص بشأن من يملك حق إدارة وترتيب القوات الأمنية والعسكرية في الولايات الفيدرالية.
وبحسب السلطات في بونتلاند، فإن القوات التي كانت تتمركز في منطقة كُور إيلَعالو في مديرية راكو راكسو وافقت على الانضمام إلى قوات دفاع بونتلاند بعد وساطة قادها شيوخ تقليديون وسياسيون من إقليم بري.
وتقول الإدارة إن عملية الدمج لن تقتصر على إعلان سياسي، بل ستشمل تسجيل أفراد القوات، وإخضاعهم للتدريب وإعادة الهيكلة، ثم إدخالهم رسميًا في منظومة قوات دفاع بونتلاند، بما يعني خضوعهم للوائح العسكرية، ونظام الانضباط، وسلسلة القيادة التابعة للإدارة.
لماذا يكتسب هذا التطور أهمية؟
المسألة هنا ليست فقط: كم عدد الجنود الذين انضموا؟ بل السؤال الأهم هو: لمن ستكون ولاءاتهم وسلسلة قيادتهم؟
ففي الصومال، لا تزال قضية بناء جيش وطني موحد من أكثر الملفات تعقيدًا، خصوصًا مع وجود قوات أمنية وعسكرية مرتبطة بالحكومة الفيدرالية، إلى جانب قوات تابعة للإدارات الإقليمية وقوات محلية تشكلت على أساس أمني أو عشائري.
ولهذا، فإن انتقال قوات كانت محسوبة على مقديشو إلى مظلة بونتلاند يعني عمليًا تعزيز قدرة غاروي على فرض سيطرتها الأمنية داخل المناطق التي تعتبرها ضمن نطاق نفوذها.
إعادة ترتيب قوات الـ«PSF»
ولم تتوقف التطورات عند هذه المجموعة. فبونتلاند نقلت أيضًا أفرادًا سابقين في قوة الأمن الرئاسية في بونتلاند – PSF إلى كلية تدريب الشرطة الصومالية في عَرْمو.
وكانت سلطات بونتلاند قد تسلمت هذه القوات من قاعدة تابعة للقوة السابقة في بوصاصو، بعد اتفاق مع الضباط الذين كانوا يقودونها.
ومن المنتظر أن يخضع هؤلاء الجنود لإعادة هيكلة وتدريب، قبل إدماجهم رسميًا في قوات دفاع بونتلاند.
وهذا يعني أن غاروي لا تتعامل مع هذه التطورات كعمليات منفصلة، بل تبدو وكأنها تعمل على إعادة تجميع مكونات أمنية وعسكرية مختلفة تحت قيادة واحدة.
عودة الجنرال جِمْعالي
وربما يكون التطور الأكثر دلالة هو ما يتعلق بالعميد جِمْعالي جامع طَكَر، قائد قوات دَنَب المتمركزة في معسكر لِغْلِه خارج غاروي.
فالجنرال جِمْعالي، الذي كان قد خدم تحت مظلة الحكومة الفيدرالية، وافق على العودة إلى قوات دفاع بونتلاند، برفقة القوات التي يقودها.
ومن المتوقع تسجيل هذه القوات رسميًا ضمن قوات دَرَاوِيش بونتلاند خلال الأيام المقبلة.
كما أعلنت لجنة برئاسة الرئيس السابق لبونتلاند وعضو مجلس الشيوخ عبد الرحمن فارول في غاروي التوصل إلى اتفاق لإنهاء الخلاف، بحيث تنضم قوات دَنَب إلى القوات الأمنية التابعة لبونتلاند.
وهنا تظهر أهمية التطور. فعودة قائد عسكري بارز كان قد انتقل إلى الجانب الفيدرالي، مع القوات التي يقودها، لا تعني فقط خسارة عدد من الجنود بالنسبة إلى مقديشو، بل قد تعني أيضًا تراجع قدرة الحكومة الفيدرالية على بناء نفوذ أمني مستدام داخل بونتلاند.
صراع النفوذ ينتقل إلى المؤسسة العسكرية
الخلاف بين بونتلاند ومقديشو ليس جديدًا. فالجانبان يختلفان حول قضايا سياسية ودستورية وأمنية، ومن بينها شكل النظام الفيدرالي، وتوزيع الصلاحيات، وترتيبات القوات الأمنية.
لكن التطورات الأخيرة تشير إلى أن الصراع على النفوذ لا يجري فقط عبر البيانات السياسية والمواقف الدستورية. إنه يجري أيضًا على الأرض، من خلال السؤال الأكثر حساسية: من يسيطر على القوات المسلحة والأمنية؟
فكل قوة تنضم إلى مؤسسة عسكرية تابعة لبونتلاند تعني تعزيز قدرة غاروي على التحكم في أمن أراضيها.
وفي المقابل، فإن ابتعاد هذه القوات عن الحكومة الفيدرالية يعني تراجع الأدوات التي تستطيع مقديشو استخدامها للتأثير في المشهد الأمني داخل الإقليم.
ضربة لمقديشو.. ومكسب لغاروي
سياسيًا، تبدو التطورات الحالية مكسبًا واضحًا لبونتلاند. فالإدارة نجحت في استعادة قوات كانت مرتبطة بالحكومة الفيدرالية، وإعادة دمج عناصر من قوات أمنية سابقة، وجذب قائد عسكري بارز إلى صفوفها.
وهذا يعزز موقع غاروي في أي مواجهة سياسية مقبلة مع مقديشو. أما الحكومة الفيدرالية، فستواجه سؤالًا صعبًا: كيف تحافظ على نفوذها في الأقاليم إذا كانت القوات التي تعتمد عليها تعود تدريجيًا إلى السلطات المحلية؟
وفي بلد مثل الصومال، حيث لا يزال بناء الدولة الفيدرالية يتداخل بشدة مع توازنات العشائر والأقاليم والقوات المسلحة، فإن تحركات كهذه قد تكون أكثر أهمية من البيانات السياسية نفسها.
ما يحدث في بونتلاند ليس مجرد انتقال جنود من معسكر إلى آخر. إنه جزء من صراع أوسع على السلطة الأمنية والسياسية في الصومال. فبونتلاند تبدو مصممة على تعزيز سيطرتها على القوات الموجودة في أراضيها، بينما تحاول الحكومة الفيدرالية الحفاظ على نفوذها وترتيباتها الأمنية في مواجهة الإدارات الإقليمية.
وعودة الجنرال جِمْعالي والقوات التي يقودها، إلى جانب دمج قوات أخرى وإعادة تنظيم أفراد الـPSF، تمنح غاروي دفعة جديدة في هذا الصراع.
لكن السؤال الأهم ليس من ربح هذه الجولة. السؤال هو: هل ستعمق الانقسام بين مقديشو وغاروي وتزيد من تعدد مراكز القوة العسكرية في الصومال؟
فإذا تحقق ذلك، فإنها قد تترك أزمة بناء الدولة قائمة لأجل غير مسمى.