تصعيد إسرائيلي في القنيطرة: توغلات متكررة وقتل مدني ومواصلة إنشاء تحصينات في جنوب سوريا
تشهد محافظة القنيطرة وريفها تصعيدًا متواصلًا في النشاط العسكري الإسرائيلي، مع انتقال التحركات خلال الأيام الأخيرة من توغلات وعمليات دهم واعتقال إلى تعزيز الوجود العسكري وإقامة تحصينات جديدة داخل المنطقة القريبة من خط فضّ الاشتباك.
وكانت القوات الإسرائيلية قد نفذت خلال 24 ساعة، حتى 6 أكتوبر/تشرين الأول، ثماني عمليات توغل على الأقل في مناطق مختلفة من جنوب سوريا، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، بالتزامن مع تحركات عسكرية واستطلاع جوي، فيما تحدث المرصد عن تفجير تحصينات ومنزل وإطلاق نار وقيود على حركة قوات الأمم المتحدة في المنطقة.
وفي أحدث التطورات، دخلت قوات إسرائيلية في 7 أكتوبر/تشرين الأول بلدة جباتا الخشب في ريف القنيطرة الشمالي، حيث أفادت وكالة الأنباء السورية «سانا» بأن الجنود أطلقوا النار على رجل من ذوي الإعاقة، فأصابوه في قدمه، ثم اعتقلوه قبل أن تنسحب القوة من البلدة. وجاء ذلك بعد سلسلة عمليات إسرائيلية متتالية في المنطقة خلال الأيام السابقة.
مقتل مدني وإطلاق النار على آخرين
التصعيد الحالي يأتي بعد حادثة قتل محمد أيمن الدبور، الذي قُتل برصاص القوات الإسرائيلية قرب الحميدية في ريف القنيطرة. وقال الجيش الإسرائيلي إن الرجل كان «مشتبهًا» بمحاولة التسلل إلى موقع عسكري داخل المنطقة، بينما أفادت مصادر سورية بأنه مدني غير مسلح.
وفي حادثة منفصلة، أطلقت القوات الإسرائيلية النار على شابين كانا يستقلان دراجة نارية داخل المنطقة العازلة، قبل اعتقالهما ونقلهما للتحقيق. وأفادت مصادر لاحقة بأن الرجلين أُفرج عنهما في 7 أكتوبر، بعد يومين من الحادثة، فيما كان أحدهما قد أصيب بالرصاص أثناء إطلاق النار.
وبذلك لم تعد التحركات الإسرائيلية تقتصر على دخول عسكري مؤقت إلى مناطق قريبة من الحدود، بل باتت تشمل نقاط تفتيش ودهم منازل واعتقالات وإطلاق نار على مدنيين، إلى جانب استمرار التحركات الهندسية والعسكرية في المحافظة. وكانت تقارير ميدانية قد تحدثت في 2 أكتوبر عن دخول قوات إسرائيلية إلى الحميدية وبريقة، مع تفتيش منازل واعتقال شاب وإقامة نقطة عسكرية داخل إحدى القرى.
تحصينات جديدة وتغيير في طبيعة الوجود الإسرائيلي
ومن أبرز التطورات الجديدة استئناف إسرائيل أعمالًا مرتبطة بما يعرف بـ خط «سوفا 53» في القنيطرة. واعتبرت تركيا في بيان رسمي صدر في 5 أكتوبر أن استئناف هذه الأعمال يقوّض اتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974، واتهمت إسرائيل بمحاولة خلق «أمر واقع» جديد داخل سوريا، مطالبة بانسحابها من الأراضي السورية التي تسيطر عليها.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأن اتفاق فضّ الاشتباك الموقع عام 1974 نص على فصل القوات السورية والإسرائيلية وإنشاء منطقة عازلة تشرف عليها قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (UNDOF). وينص الاتفاق على أن تكون المنطقة بين خطي الفصل منطقة فصل للقوات، وأن تنتشر فيها قوات الأمم المتحدة.
وكانت تل أبيب قد وسعت وجودها العسكري في المنطقة بعد سقوط حكومة بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، بحسب تقارير أممية، فيما وثقت الأمم المتحدة لاحقًا أضرارًا في أراضٍ زراعية وطرق وخدمات في مناطق من القنيطرة، إلى جانب وجود عسكري إسرائيلي داخل نطاق عمليات قوة الأمم المتحدة.
من التوغل إلى واقع عسكري جديد؟
المؤشر الأبرز في التطورات الأخيرة هو تكرار العمليات خلال فترة زمنية قصيرة بالتزامن مع أعمال تحصين وبناء مواقع عسكرية. ففي سبتمبر/أيلول، وثق المرصد السوري 11 توغلًا بريًا وثماني عمليات قصف خلال أسبوع واحد في القنيطرة ودرعا وريف دمشق الغربي، إضافة إلى اعتقالات واستهداف رعاة وتحركات عسكرية وطيران استطلاع.
وفي أكتوبر/تشرين الأول، استمرت الوتيرة؛ إذ رُصدت تحركات لدبابات وآليات إسرائيلية في مناطق من ريف القنيطرة، فيما أشارت تقارير إلى استمرار أعمال الحفر وإقامة التحصينات.
وتحذر تقارير مرتبطة بمجلس الأمن من أن استمرار الوجود الإسرائيلي داخل منطقة الفصل والانتهاكات المتكررة لاتفاق 1974 قد يؤدي إلى زيادة زعزعة الاستقرار في جنوب سوريا أو إلى تصعيد أوسع، كما تواجه قوة UNDOF تحديات متزايدة في تنفيذ مهمتها بسبب القيود على الحركة والنشاط العسكري في منطقة عملياتها.
وبالتالي، فإن ما يجري في القنيطرة لا يبدو مجرد سلسلة حوادث حدودية منفصلة؛ فالتطورات الأخيرة تجمع بين التوغلات المتكررة، والاعتقالات، وإطلاق النار على مدنيين، وتعزيز المواقع العسكرية، واستئناف أعمال التحصين. وهذا يجعل السؤال المطروح حاليًا ليس فقط عن حدود التوغل الإسرائيلي، وإنما عمّا إذا كانت هذه التحركات ستتحول تدريجيًا إلى واقع عسكري أكثر رسوخًا في جنوب سوريا، في منطقة أنشئت أصلًا لمنع تمركز القوات العسكرية فيها.