مصر تستعد لنشر قوات في الصومال وسط تصاعد التوترات في القرن الإفريقي
ووفق تقرير نشرته صحيفة «العربي الجديد» في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تعمل فرق عسكرية مصرية تضم مستشارين ومدربين وضباطًا على التحضير لنشر القوات، في أول خطوة من هذا النوع منذ توقيع اتفاق التعاون العسكري بين القاهرة ومقديشو في أغسطس/آب 2024. ولم تعلن مصر حتى الآن حجم القوة المزمع نشرها، أو تفاصيل مهمتها النهائية.
ومن المتوقع، بحسب التقرير، أن تتمركز القوات المصرية في منطقة عيل عدي، قرب مطار سيسلي السابق، شمالي مقديشو، ضمن إقليم شبيلي الوسطى. ولم يتضح بعد ما إذا كان الانتشار سيقتصر على المشاركة في بعثة الاتحاد الإفريقي لدعم الاستقرار في الصومال (AUSSOM)، أم سيشمل أيضًا ترتيبات عسكرية ثنائية بين البلدين.
تعاون عسكري يتجاوز التدريب
تأتي الخطوة المرتقبة امتدادًا لتقارب مصري صومالي تسارع خلال العامين الماضيين. ففي عام 2024، وقّع البلدان اتفاقًا للتعاون الدفاعي، ثم ارتقت علاقاتهما في يناير/كانون الثاني 2025 إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية.
وفي 20 سبتمبر/أيلول 2026، زار وفد عسكري مصري مقديشو، والتقى وزير الدفاع الصومالي أحمد معلم فقي، بعد اجتماعات سابقة بين ضباط مصريين وقيادات عسكرية صومالية تناولت التعاون الدفاعي والتدريب وبناء قدرات الجيش الصومالي.
كما أصبحت الصومال محورًا رئيسيًا في الاتصالات المصرية، إذ استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي نظيره الصومالي حسن شيخ محمود خمس مرات بين أكتوبر/تشرين الأول 2024 وأكتوبر/تشرين الأول 2026، وكانت آخر زيارة في 3 أكتوبر/تشرين الأول الجاري بمدينة العلمين.
ويعكس هذا المسار انتقال العلاقات من الدعم السياسي والتعاون التدريبي إلى احتمال وجود عسكري مصري مباشر على الأراضي الصومالية. وتقول القاهرة إنها تدعم وحدة الصومال وسيادته، وتسعى إلى مساعدته على مواجهة الإرهاب والقرصنة وحماية مياهه الإقليمية.
لكن طبيعة الانتشار المرتقب ستتوقف على حجم القوات، وقواعد اشتباكها، وآليات التنسيق بينها وبين المؤسسات الصومالية وبعثة الاتحاد الإفريقي.
لماذا يهم الصومال مصر استراتيجيًا؟
لا يرتبط الاهتمام المصري بالصومال بالتحديات الأمنية الصومالية وحدها، بل بالموقع الجغرافي للبلاد عند خليج عدن، وبالقرب من مضيق باب المندب، الذي يمثل المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، أحد أهم الممرات البحرية المؤدية إلى قناة السويس.
وترى القاهرة أن استقرار الصومال جزء من أمنها القومي، لأن أي اضطراب واسع في المنطقة قد ينعكس على الملاحة والتجارة الدولية، ويزيد المخاطر التي تواجه السفن العابرة للبحر الأحمر.
وفي هذا السياق، قال الخبير الأمني المصري اللواء خالد عكاشة، في تصريحات نقلها «العربي الجديد»، إن الصومال يمثل «عمقًا استراتيجيًا» لمصر، محذرًا من أن تفكك الدولة الصومالية قد يهدد الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس ويؤثر في الاقتصاد الدولي.
وتسعى القاهرة كذلك إلى دعم المؤسسات العسكرية الصومالية في مواجهة حركة الشباب المجاهدين التي تسعى لإسقاط الحكومة المدعومة من الغرب وإقامة نظام الشريعة الإسلامية الشامل والمستقل. وهي لا تزال تشكل أحد أبرز التحديات الأمنية أمام الحكومة الفيدرالية والمطامع المصرية، رغم العمليات العسكرية والإجراءات الأمنية المتواصلة.
ومع ذلك، فإن نجاح الانتشار المصري لن يتوقف على القوة العسكرية وحدها، بل على جملة الظروف المرافقة للانتشار في بلد عجز فيه التحالف الدولي عن كسر شوكة المجاهدين.
إثيوبيا وسد النهضة: خلفية أساسية للتحرك المصري
يتزامن التحرك المصري في الصومال مع تصاعد الخلاف بين القاهرة وأديس أبابا بشأن مياه النيل وسد النهضة الإثيوبي، إضافة إلى النزاع حول وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر.
وتعتبر مصر أن مياه النيل قضية أمن قومي، في ظل اعتمادها الكبير على النهر لتلبية احتياجاتها المائية. وفي 5 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، أكد السيسي أن بلاده لن تتنازل عن حصتها من مياه النيل، ووصفها بأنها حق تاريخي وقانوني لا يمكن المساس به.
في المقابل، تسعى إثيوبيا إلى تعزيز مكانتها الاقتصادية والاستراتيجية في المنطقة، بما يشمل الحصول على منفذ بحري، وهو ما يثير مخاوف دول مجاورة، من بينها الصومال ومصر، بشأن السيادة البحرية وتوازن القوى الإقليمي.
ويزيد تجدد القتال في إقليم تيغراي، واتساع التوتر بين إثيوبيا وإريتريا، من حساسية هذه الملفات. فكلما ازدادت احتمالات عدم الاستقرار داخل إثيوبيا وحول حدودها، ازدادت أهمية الموانئ والطرق البحرية والتحالفات العسكرية في حسابات دول المنطقة.
ولا يعني ذلك أن نشر القوات المصرية في الصومال يستهدف إثيوبيا بالضرورة، لكن توقيته وموقعه يجعلان من الصعب فصل الخطوة عن التنافس الاستراتيجي الأوسع في القرن الإفريقي.
قمة رباعية ورسائل بشأن السيادة والتدخل الخارجي
في 4 أكتوبر/تشرين الأول، استضافت مدينة العلمين المصرية قمة جمعت قادة مصر والصومال وإريتريا والسودان، وأكدت أهمية احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، ورفض التدخل الخارجي في شؤونها الداخلية.
وجاءت القمة في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع الحرب في إثيوبيا، وتدهور العلاقات الإثيوبية الإريترية، واستمرار الحرب السودانية.
ويشير اجتماع هذه الدول إلى رغبتها في تنسيق مواقفها بشأن أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وإن كان البيان المشترك لا يثبت وجود تحالف عسكري موجّه ضد إثيوبيا.
وبالنسبة إلى القاهرة، يوفر التقارب مع مقديشو وأسمرة فرصة لتعزيز علاقاتها مع دول تقع في نطاق جغرافي شديد الأهمية لأمن الملاحة ومصالحها الإقليمية، فضلًا عن توسيع التعاون الاقتصادي مع دول مثل أوغندا وكينيا.
الحضور الإسرائيلي في صوماليلاند يزيد حساسية المشهد
تتزامن الاستعدادات المصرية مع تقارير عن تعزيز الاحتلال الإسرائيلي حضوره الأمني والعسكري في صوماليلاند، الإقليم الذي أعلن انفصاله عن الصومال، واعترف الاحتلال به في أواخر عام 2025، وفق ما أورده التقرير.
وتزيد هذه التطورات من حساسية الساحل الصومالي، نظرًا إلى موقعه القريب من خليج عدن وباب المندب، حيث تتقاطع مصالح دول إقليمية ودولية عديدة.
لكن يجب التمييز بين التقارير المتعلقة بالوجود الإسرائيلي وبين التفاصيل التي لم تتأكد بصورة مستقلة، خصوصًا ما يتعلق بحجم القوات ومواقع انتشارها وطبيعة مهامها.
ومع ذلك، فإن احتمال توسع الحضور العسكري الخارجي على الساحل الصومالي يجعل الأمن البحري أحد أهم أبعاد التنافس الإقليمي، إلى جانب مكافحة القرصنة وحماية طرق التجارة ومواجهة الجماعات الجهادية.
ماذا يعني الانتشار المصري للصومال والمنطقة؟
إذا نُفذت الخطوة، فستكون لها ثلاثة أبعاد رئيسية.
أولًا، قد توفر للقوات الصومالية دعمًا إضافيًا في التدريب والتخطيط وبناء القدرات، وربما في العمليات الأمنية، وفق طبيعة المهمة التي ستُعلن رسميًا.
ثانيًا، ستعزز مكانة مصر داخل القرن الإفريقي، وتمنح القاهرة حضورًا ميدانيًا في منطقة ترتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس.
ثالثًا، ستضيف عنصرًا جديدًا إلى توازنات المنطقة، في وقت تتصاعد فيه المنافسة على الموانئ والنفوذ البحري، وتتدهور العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا، ويستمر الخلاف المصري الإثيوبي بشأن مياه النيل.
غير أن هذه الخطوة تنطوي أيضًا على تحديات. فالصومال يواجه تهديدات أمنية معقدة، وقد يؤدي أي انتشار عسكري جديد، إذا لم يُنسق بوضوح مع السلطات الصومالية، إلى تعقيد المشهد بدلًا من تحقيق الاستقرار. كما أن تداخل المصالح الإقليمية قد يجعل أي تحرك عسكري عرضة لتفسيرات سياسية تتجاوز أهدافه المعلنة.
ومن المتوقع أن تتمركز القوات المصرية في منطقة عيل عدي بإقليم شبيلي الوسطى، شمالي العاصمة مقديشو، بالقرب من مهبط سيسلي السابق، وفقًا لما أورده تقرير العربي الجديد. وتقع المنطقة، بحسب التقرير، على مسافة تقارب 400 كيلومتر من أقرب نقطة إلى الحدود الإثيوبية الصومالية. ويأتي هذا الموقع المحتمل في ظل تصاعد التنافس الإقليمي في القرن الإفريقي، ومع ذلك، لم يُعلن رسميًا عن العدد النهائي للقوات أو تفاصيل انتشارها، ولم يؤكد التقرير أن عملية التموضع قد بدأت بالفعل.
الخلاصة: الاستعدادات المصرية لنشر قوات في الصومال تمثل تطورًا مهمًا في العلاقات بين البلدين، وتكشف عن سعي القاهرة إلى توسيع حضورها في القرن الإفريقي في مرحلة تتزايد فيها أهمية البحر الأحمر وباب المندب. وبينما يمكن لهذا التعاون أن يدعم الحكومة الصومالية، فإن دلالته الاستراتيجية الأوسع ترتبط أيضًا بالتنافس الإقليمي حول الموانئ والممرات البحرية، وبالخلافات مع إثيوبيا بشأن مياه النيل والوصول إلى البحر. وستتضح الأهمية الفعلية للخطوة مع إعلان حجم القوات ومهمتها وصلاحياتها، ومدى ارتباطها ببعثة الاتحاد الإفريقي أو باتفاقات التعاون الثنائي. ثم مصيرها في مواجهة حركة الشباب المجاهدين التي أفنت كتائب من التحالف الإفريقي بشكل كامل على امتداد قرابة عقدين من الصراع في القرن الإفريقي.