إثيوبيا بين جبهة تيغراي ونفوذ الصومال: معركة داخلية وحسابات إقليمية متشابكة

تتحرك إثيوبيا في بيئة إقليمية شديدة التعقيد، بينما تواجه في الداخل تحديات لم تُغلق ملفاتها بعد، وفي الخارج تسعى إلى تثبيت موقعها الأمني والسياسي في القرن الإفريقي. وبينما تعمل أديس أبابا على تحويل وجودها العسكري الطويل في الصومال إلى نفوذ مؤسسي داخل بعثة الاتحاد الإفريقي لدعم وتحقيق الاستقرار في الصومال «AUSSOM»، تعود منطقة تيغراي إلى واجهة المشهد مع تصاعد التوترات السياسية والأمنية، بما يكشف أن اتفاق بريتوريا للسلام أنهى الحرب واسعة النطاق، لكنه لم يحسم جذور الصراع.

حضور إثيوبي راسخ في الصومال

ترى دراسة نشرها معهد الشؤون الخارجية الإثيوبي أن إثيوبيا تمتلك بالفعل موطئ قدم مؤسسياً داخل بعثة «AUSSOM»، بعد أكثر من عقد من مشاركة قواتها في عمليات حفظ الأمن في الصومال، بدءاً من «أميسوم» ثم «أتميس» وصولاً إلى المهمة الحالية. وتقول الدراسة إن هذا الحضور لا يمثل مجرد مساهمة عسكرية، بل راكم لإثيوبيا خبرة ميدانية ورصيداً مؤسسياً يمكن تحويله إلى نفوذ في القرارات المتعلقة بمستقبل البعثة.

وبحسب المعهد، يُسمح لإثيوبيا بالمساهمة بنحو 2500 جندي ضمن هيكل القوة الحالي للبعثة، التي تضم أيضاً أوغندا وجيبوتي وكينيا ومصر. كما يشير إلى أن إثيوبيا احتفظت بقوات في الصومال عبر ترتيبات ثنائية خارج السقف الرسمي للبعثة.

وتعتقد الدراسة أن التحدي أمام أديس أبابا لم يعد يتمثل في إثبات وجودها داخل «AUSSOM»، وإنما في تحويل هذا الوجود إلى تأثير فعلي في ملفات مثل التخطيط العملياتي، وتوزيع القوات، وتمويل المهمة، والتنسيق الاستخباراتي ومكافحة حركة الشباب.

غير أن ذلك النفوذ يظل محكوماً بقيود سياسية واضحة؛ أبرزها حساسية السيادة الصومالية، والتوترات الثنائية بين مقديشو وأديس أبابا، إضافة إلى المنافسة بين الدول المساهمة في القوات، والأزمة المستمرة في تمويل البعثة.

تيغراي: السلام الذي لم يُنهِ الصراع

في الداخل الإثيوبي، تبدو الصورة أكثر هشاشة. فقد أنهى اتفاق بريتوريا الموقع في نوفمبر/تشرين الثاني 2022 الحرب التي استمرت عامين بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيغراي، ونص على وقف دائم للأعمال العدائية، ونزع سلاح القوات التيغراوية وتسريحها وإعادة دمجها، إلى جانب الحوار السياسي وعودة النازحين.

لكن الاتفاق لم يحسم القضايا التي أشعلت الحرب من جذورها، ولا سيما النزاعات على الأراضي، ومستقبل العلاقة بين تيغراي والحكومة المركزية، وترتيبات الأمن والسلطة.

وتشير التقارير إلى أن جبهة تحرير شعب تيغراي أعادت منذ عام 2024 ترتيب صفوفها سياسياً وتنظيمياً، مع احتفاظها بنفوذ أمني وعسكري، في وقت بقي فيه تنفيذ عملية نزع السلاح غير مكتمل. كما ظهرت خلال عام 2026 تقارير عن تجنيد وتعبئة جديدة في الإقليم، وهي تطورات من شأنها، إذا تأكدت، أن تتعارض مباشرة مع القيود التي فرضها اتفاق بريتوريا على التعبئة العسكرية.

وفي مايو/أيار 2026، أعيد المجلس الإقليمي لتيغراي وانتُخب ديبريتسيون غبريميكائيل رئيساً، في خطوة عززت موقع الجناح المرتبط به داخل المشهد السياسي للمنطقة، وأظهرت أن جبهة تحرير شعب تيغراي لا تزال قوة سياسية مؤثرة، رغم التحولات التي أعقبت الحرب.

من السياسة إلى الميدان

لم تبقِ التوترات في إطار السياسة. ففي يناير/كانون الثاني 2026 اندلعت مواجهات بين قوات مرتبطة بقوات دفاع تيغراي والقوات الفيدرالية الإثيوبية في منطقة متنازع عليها، قبل أن تتوسع التطورات الميدانية لاحقاً. وفي أغسطس/آب، تجدد القتال في غرب تيغراي بالقرب من الحدود السودانية.

وتبادل الطرفان الاتهامات بشأن المسؤولية عن التصعيد، فيما ظلت الجهة التي بدأت الاشتباكات موضع خلاف. لكن النتيجة الأهم كانت أن التطورات أثبتت استمرار قدرة الجماعات المسلحة على التعبئة والمنافسة على الأراضي، وهو ما يجعل عدم اكتمال عملية نزع السلاح أكثر خطورة.

وفي المقابل، يشير مصدر مدني في تيغراي أن السكان أنفسهم لا يريدون العودة إلى الحرب، وأن كثيراً منهم ما زالوا يعيشون آثار الصراع السابق ويخشون أن تؤدي التعبئة الجديدة إلى جرهم مجدداً إلى المواجهة.

تحالفات تتغير وخصوم يجدون أرضية مشتركة

الأكثر إثارة في التطورات الأخيرة هو أن المشهد لم يعد محصوراً في الصراع التقليدي بين أديس أبابا وجبهة تحرير شعب تيغراي.

فقد تحدثت  التقارير عن تقارب بين عناصر من الجبهة وإريتريا، رغم أن البلدين كانا خصمين خلال حرب الحدود بين 1998 و2000، كما قاتلت القوات الإريترية إلى جانب الحكومة الإثيوبية ضد جبهة تيغراي خلال حرب 2020–2022. وتتهم إثيوبيا إريتريا بدعم الجبهة واستخدامها كوكيل، بينما ترفض أسمرة هذا الاتهام.

وفي الوقت نفسه، برز تجمع يُعرف باسم «تسيمدو» يضم، وفق التقرير، مجموعات معارضة للحكومة الفيدرالية، مع تقارير عن تعاون بين جبهة تحرير شعب تيغراي وقوات فانو وجيش تحرير أورومو ومجموعات مسلحة أخرى.

وهنا تكمن إحدى أخطر التحولات: خصوم كانت بينهم صراعات عميقة أصبحوا مستعدين، على الأقل مرحلياً، لتجاوز بعض خلافاتهم عندما يخدم التعاون هدف الضغط على الحكومة المركزية.

إثيوبيا أمام معادلة مزدوجة

تكشف التطورات في تيغراي، بالتزامن مع مساعي إثيوبيا لتعزيز نفوذها في «AUSSOM»، عن معادلة استراتيجية صعبة أمام أديس أبابا.

فمن جهة، تسعى إثيوبيا إلى الحفاظ على دور أمني مؤثر في الصومال، مستفيدة من طول قتالها لحركة الشباب المجاهدين وقربها الجغرافي من مناطق التهديد. ويقترح معهد الشؤون الخارجية أن تستخدم أديس أبابا هذا الرصيد داخل مؤسسات الاتحاد الإفريقي، بدلاً من الاكتفاء بوجود عسكري على الأرض.

ومن جهة أخرى، فإن استمرار التوتر في تيغراي، وظهور اصطفافات جديدة بين قوى كانت متنافسة، يعني أن إثيوبيا لا تزال تواجه تحديات أمنية داخل حدودها قد تستهلك جزءاً من قدرتها على المناورة خارجياً.

وهذا يجعل إدارة العلاقة مع الصومال، وموقع إثيوبيا داخل «AUSSOM»، أكثر حساسية؛ فنجاح أديس أبابا في الحفاظ على نفوذها الإقليمي يتطلب في الوقت نفسه عدم السماح للصراعات الداخلية غير المحسومة بأن تتحول إلى استنزاف أمني دائم.

بريتوريا أنهى الحرب… لكنه لم يحسم الصراع

ربما تكمن الخلاصة الأهم في أن اتفاق بريتوريا نجح في وقف الحرب واسعة النطاق، لكنه لم يحل الصراع السياسي والأمني الذي كان وراءها.

فلا تزال قضايا الأراضي وعودة النازحين وترتيبات السلطة والعلاقة بين تيغراي والحكومة الفيدرالية عالقة، بينما تشير التطورات الأخيرة إلى أن القوى السياسية والعسكرية التي خرجت من الحرب لم تختفِ، بل أعادت تنظيم مواقعها وتحالفاتها. وقد أدى ذلك إلى اتساع الفجوة بين حسابات النخب والقوى المسلحة وبين مصالح المدنيين الذين يريدون ببساطة ألا تعود الحرب.

وفي الوقت نفسه، تحاول إثيوبيا تثبيت نفسها كقوة أمنية لا يمكن تجاوزها في القرن الإفريقي، خصوصاً داخل «AUSSOM». ويخلص تحليل معهد الشؤون الخارجية إلى أن أديس أبابا لا تحتاج إلى انتزاع مقعد داخل المنظومة، لأنها تملك المقومات التي تمنحها مكاناً فيها بالفعل؛ لكن عليها أن تستخدم هذا الموقع بصورة أكثر انضباطاً ووضوحاً، مع إدراك حدود نفوذها وحساسية سيادة الصومال.

وهكذا تجد إثيوبيا نفسها أمام مسارين متوازيين: مسار خارجي تسعى من خلاله إلى تحويل وجودها العسكري في الصومال إلى نفوذ سياسي ومؤسسي، ومسار داخلي لم تُغلق فيه بعد ملفات الحرب في تيغراي. وبين المسارين، يبقى مستقبل إثيوبيا رهيناً بقدرة دوله على منع الصراعات المحلية والتحالفات المتغيرة من التحول إلى دورة جديدة من الحروب الإقليمية.