إيران على فوهة بركان: انهيار الريال يشعل شرارة الاحتجاجات الشاملة
شهدت إيران مع مطلع العام الجديد موجة احتجاجات واسعة النطاق، تُعد الأكبر منذ عام 2022، متجاوزةً العاصمة طهران لتشمل الأقاليم الريفية.
لم تعد هذه الاحتجاجات مجرد صدى لمطالب اجتماعية عابرة، بل تحولت إلى تعبير صريح عن أزمة اقتصادية وسياسية عميقة تهدد استقرار النظام، وتتسم بخصائص جديدة تجعلها أكثر قوة وتنظيماً .
الجذور الاقتصادية للانفجار
اندلعت الشرارة الأولى للاحتجاجات من قلب العاصمة، وتحديداً من بازار طهران الكبير، عبر إضراب التجار وأصحاب المحلات، احتجاجاً على التدهور المعيشي المتسارع . وتأتي هذه الموجة في ظل أرقام اقتصادية كارثية، حيث وصل معدل التضخم إلى مستويات غير مسبوقة بلغت 42.2% في ديسمبر 2025، مما أثّر بشكل مباشر على ميزانيات الأسر .
إن الانهيار الدراماتيكي في قيمة العملة الوطنية، الريال الإيراني، هو المحرك الرئيسي لهذا الغضب الشعبي، حيث تجاوز سعر صرف الدولار الأمريكي حاجز 1.4 مليون ريال . هذا التدهور لم يكن وليد اللحظة، بل جاء متزامناً مع سياق إقليمي متوتر، خاصة بعد الحرب التي استمرت 12 يوماً مع “إسرائيل” والولايات المتحدة في يونيو 2025، والتي استهدفت فيها مواقع نووية إيرانية، مما أرهق الخزينة العامة وزاد من عزلة البلاد .
| المؤشر الاقتصادي | القيمة (ديسمبر 2025) | التأثير على الاحتجاجات |
| معدل التضخم | 42.2% | تآكل القوة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة |
| سعر صرف الدولار | 1.4 مليون ريال | انهيار العملة الوطنية وتفاقم الأزمة الاقتصادية |
| نقطة الانطلاق | إضراب بازار طهران | عودة “البازار” كقوة ضغط تاريخية |
الجغرافيا الميدانية ورد الفعل الأمني
على عكس الاحتجاجات السابقة التي كانت تتركز في المدن الكبرى، اتسعت رقعة الحراك الحالي لتشمل 17 محافظة من أصل 31، وامتدت إلى الأقاليم الريفية التي تقطنها مجموعات عرقية مختلفة، مثل مدن أزنا ولوردغان في محافظة لرستان . هذا الانتشار الجغرافي الواسع يمثل تحدياً كبيراً للسلطات.
وقد شهدت الاحتجاجات سقوط ضحايا، حيث أفادت التقارير بمقتل ما لا يقل عن سبعة أشخاص، من بينهم متظاهرون وعناصر من قوات الأمن، خاصة في مدن مثل أزنا ولوردغان وفولادشهر . وقد أعلنت السلطات عن حملة اعتقالات واسعة، شملت مئات الأشخاص، ووصفت بعض المعتقلين بأنهم “ملكيون” أو مرتبطون بـ “مجموعات أوروبية” .
في أول رد فعل رسمي رفيع المستوى، وصف الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الوضع بأنه “حرب شاملة” تخوضها طهران مع أعدائها في خضم الأزمة الاقتصادية . هذا التصريح يعكس إدراك النظام لخطورة الموقف، حيث لم يعد الأمر مجرد “مطالب معيشية” بل تحول إلى تحدٍ وجودي يهدد بنية الحكم .
خصائص الاحتجاجات: تداخل السياسي والاقتصادي
ما يميز هذه الموجة من الاحتجاجات هو تلاشي الخط الفاصل بين المطالب الاقتصادية والسياسية . فالمطالب المعيشية البسيطة، التي كان النظام يقلل من شأنها تاريخياً، تحولت إلى أسئلة أعمق حول أسلوب الحكم والمسؤولية والمستقبل الاقتصادي للبلاد .
كما أن عودة التجار وأصحاب المحلات (البازار) كقوة فاعلة في الحراك تمنح الاحتجاجات زخماً تاريخياً وسياسياً قوياً. فالبازار يمثل شريحة اقتصادية واجتماعية تقليدية ذات نفوذ، ولطالما لعب دوراً محورياً في الثورات والحركات الاحتجاجية الإيرانية .
المواقف الدولية والتوتر الإقليمي
تأتي الاحتجاجات في ظل تصعيد دولي وإقليمي، حيث تبادل مسؤولون إيرانيون والرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب التهديدات. فقد حذر ترامب من أن الولايات المتحدة قد تتدخل لدعم المتظاهرين، بينما ردت طهران بوصف القوات الأمريكية بأنها “أهداف مشروعة” . كما أشارت تقارير إلى دعوات من جهاز الموساد الإسرائيلي لتكثيف الحراك الشعبي في إيران .
وفي سياق محاولات النظام لترهيب المعارضة، تشير التقارير الحقوقية إلى ارتفاع مقلق في وتيرة الإعدامات، حيث تم إعدام ما لا يقل عن 1922 شخصاً في إيران خلال عام 2025، بزيادة قدرها 106% مقارنة بالعام السابق، مما يظهر استخدام العقوبة القصوى كأداة سياسية لقمع أي شكل من أشكال الاحتجاج .
الخلاصة واستشراف المستقبل
تجد إيران نفسها اليوم أمام مفترق طرق حرج. فالاحتجاجات الحالية، التي بدأت كصرخة ضد الجوع والفقر، تحولت إلى حركة شاملة تهدد أسس النظام. ومع استمرار انهيار العملة وتزايد القمع الأمني، يظل السؤال مفتوحاً حول قدرة النظام على احتواء هذا الغضب الشعبي المتصاعد، خاصة مع تداخل الأزمة الداخلية مع التوترات الإقليمية والدولية التي تزيد من تعقيد المشهد الإيراني .
ساجد العمري