إيقاف الدعم الإماراتي للصومال وتداعياته

في تطور دراماتيكي وغير متوقع، أعلنت الحكومة الصومالية المدعومة من الغرب في 12 يناير 2026 عن قرار طارئ بإلغاء جميع الاتفاقيات المبرمة بينها وبين الإمارات. جاء هذا القرار بعد سنوات من التوترات المتراكمة والممارسات التي اعتبرتها الحكومة الصومالية انتهاكات لسيادتها الوطنية. في المقابل، أعلنت الإمارات عن وقف دعمها المالي الشهري للقوات الأمنية الصومالية، مما أثار نقاشاً حاداً حول مستقبل العلاقات بين البلدين وتداعيات هذا الصراع على الأهداف الإقليمية.

الخلفية: سنوات من الشراكة المتوترة

بدأت العلاقات بين الصومال والإمارات كشراكة استراتيجية تبدو واعدة. قدمت الإمارات دعماً مالياً وعسكرياً كبيراً للصومال، بما في ذلك دعم شهري للقوات الأمنية الصومالية بقيمة 3.6 إلى 5 ملايين دولار أمريكي . كما قدمت الإمارات مساعدات إنسانية وغذائية تقدر بحوالي 200 مليون دولار . لكن هذا الدعم، كما سيتضح لاحقاً، لم يكن بريئاً من الناحية السياسية.

على مدى السنوات، بنت الإمارات حضوراً استراتيجياً قوياً في الصومال، خاصة في الموانئ الرئيسية والمناطق ذات الأهمية الجيوسياسية. امتلكت شركة DP World الإماراتية امتيازاً لمدة 30 سنة على ميناء بربرة الاستراتيجي في أرض الصومال (المنطقة الانفصالية) . كما عملت الإمارات على تعميق علاقاتها مع الكيانات الإقليمية المتمتعة بحكم ذاتي، مثل إقليم بونتلاند وجوبالاند، بطرق أثارت استياء الحكومة.

نقطة التحول: الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال

كانت نقطة التحول الحقيقية في العلاقات هي اعتراف ما يسمى “إسرائيل” بأرض الصومال (صومالي لاند) في ديسمبر 2025 . كان هذا الاعتراف الأول عالمياً لأرض الصومال كدولة مستقلة، وهو ما اعتبره الصوماليون خطوة استفزازية وانتهاكاً لسيادتهم الوطنية. اتهمت الحكومة الصومالية الإمارات بتسهيل هذا الاعتراف، خاصة بعد أن رفضت الإمارات التوقيع على بيان عربي إسلامي مشترك يدين الاعتراف الإسرائيلي.

كما جاء هذا الاعتراف الإسرائيلي في سياق متوتر آخر: السماح من قبل السلطات الصومالية المرتبطة بالإمارات بدخول قيادات انفصالية يمنية إلى الصومال عبر ميناء بربرة. في 7 يناير 2026، سافر عيدروس الزبيدي، زعيم المجلس الانتقالي الجنوبي، إلى الإمارات عبر ميناء بربرة في أرض الصومال بعد رفضه دعوات سعودية للمشاركة في محادثات في الرياض . أعلنت سلطات الهجرة الصومالية لاحقاً عن فتح تحقيق بشأن ما وصفته بـ “الاستخدام غير المصرح به للمجال الجوي والمطارات الصومالية” .

القرار الصومالي: إلغاء الاتفاقيات

في 12 يناير 2026، اجتمع مجلس الوزراء الصومالي في جلسة استثنائية واتخذ قراراً تاريخياً بإلغاء جميع الاتفاقيات المبرمة مع الإمارات . شمل هذا القرار إلغاء اتفاقيات التعاون الأمني والدفاعي، واتفاقيات تشغيل الموانئ، والاتفاقيات التجارية في بربرة وبوصاصو وكسمايو . قال وزير الدفاع الصومالي أحمد معلم فقي في بيان رسمي إن القرار استند إلى “تقارير موثوقة وأدلة تشير إلى ممارسات مرتبطة بدولة الإمارات تقوض سيادة الجمهورية الصومالية ووحدتها الوطنية واستقلالها السياسي” .

الرد الإماراتي: وقف الدعم المالي

ردت الإمارات على القرار الصومالي بإعلان وقف دعمها المالي الشهري. نشر عبدالخالق عبدالله، محلل إماراتي بارز، تغريدة على منصة إكس قال فيها:

“قررت الإمارات وقف دعمها المالي الشهري الذي يقدر ب 5 ملايين دولار لقوات الأمن الصومالية لتغطية الرواتب، والوقود، وخدمات طبية، وغذائية، وهو جزء من دعم مالي يقدر ب 200 مليون دولار قدم للصومال شمل إمدادات غدائية ومساعدات إنسانية. كل ذلك سيتوقف مع التمنيات ان يخرج هذا البلد المنكوب من الصوملة”

كان هذا الإعلان بمثابة رسالة قوية من الإمارات تشير إلى أن الدعم المالي كان مرتبطاً بالتعاون السياسي والاستراتيجي، وليس مجرد مساعدة إنسانية بلا شروط.

مستشار رئيس الوزراء يعلق

رد مستشار رئيس الوزراء الصومالي كمال غوتالي على تغريدة عبدالخالق عبدالله بردٍ حاد ومباشر. قائلا: “نعم، الإمارات كانت تقدم دعماً مباشراً للجيش الصومالي بحوالي 3.6 مليون دولار شهرياً، وهو دعم نقدّره وقد انقطع منذ نحو عامين. لكن الوقائع على الأرض تُظهر أن هذا الدعم لم يكن بريئاً سياسياً؛ إذ تزامن مع دعم مواز من الخلف لمشاريع الانفصال والتقسيم عبر مليشيات محلية وكيانات موازية في تعارض صريح مع سيادة الدولة الصومالية ووحدتها الوطنية. دعم الجيوش الوطنية لا يستقيم مع تقويض الدولة من الداخل، ولا يمكن تغليفه بالمساعدات بينما تُدار أجندات تفكيك خارج الأطر الدستورية”.

يعكس هذا الرد الموقف الصومالي: أن الدعم الإماراتي كان يخفي وراءه أجندة سياسية تهدف إلى تقسيم الصومال وتقويض وحدته.

الإمارات: استراتيجية متعددة الأوجه

تعاملت الإمارات بطريقة استراتيجية ومحسوبة على مدى سنوات.

أولاً، قدمت دعماً مالياً وعسكرياً كبيراً للحكومة الصومالية، مما أعطاها نفوذاً قوياً على صانعي القرار في مقديشو.

ثانياً، وفي نفس الوقت، عملت على بناء علاقات قوية مع الكيانات الإقليمية المتمتعة بحكم ذاتي (بونتلاند، جوبالاند، أرض الصومال)، مما أعطاها نفوذاً موازياً ومستقلاً عن الحكومة المركزية.

ثالثاً، استثمرت الإمارات بكثافة في البنية التحتية الاستراتيجية، خاصة الموانئ، مما أعطاها سيطرة على نقاط حيوية في الاقتصاد الصومالي.

رابعاً، استخدمت الإمارات نفوذها لتسهيل عمليات سياسية تخدم مصالحها الإقليمية، مثل السماح بمرور قيادات انفصالية يمنية عبر أراضي الصومال.

هذه الاستراتيجية متعددة الأوجه أعطت الإمارات نفوذاً هائلاً في الصومال، لكنها أيضاً أثارت استياءً متزايداً من الحكومة التي شعرت بأن سيادتها المزعومة لا قيمة لها.

من جانبها، تعاملت الحكومة الصومالية مع الإمارات بإلغاء الاتفاقيات جميعها التي أبرمت مع أبو ظبي.

التداعيات الاقتصادية

إيقاف الدعم الإماراتي سيكون له تأثير اقتصادي كبير على الصومال. كانت الإمارات تقدم دعماً شهرياً لتغطية رواتب قوات الأمن والوقود والخدمات الطبية والغذائية. سيؤدي إيقاف هذا الدعم إلى ضغوط مالية كبيرة على الحكومة الصومالية، خاصة فيما يتعلق بتمويل القوات الأمنية. قد يؤدي هذا إلى ضعف القدرات الأمنية للدولة، مما يقع في صالح حركة الشباب المجاهدين التي تسعى لبسط حكمها الإسلامي على كل البلاد.

كما أن انسحاب الاستثمارات الإماراتية من الموانئ قد يؤثر على التجارة والاقتصاد الصومالي بشكل عام. لكن الحكومة الصومالية أشارت إلى أنها وضعت آليات لضمان استمرارية عمليات الموانئ والمسؤوليات الأمنية، بما في ذلك استخدام مشغلين دوليين محايدين .

التداعيات السياسية والإقليمية

تعكس هذه الأزمة صراعاً أعمق على نفوذ إقليمي في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر. الصومال يقع في موقع استراتيجي حيوي يربط بين البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي الأوسع. أي استخدام للأراضي الصومالية أو الموانئ أو المساحة السياسية لتعزيز نزاعات خارجية أو أجندات إقليمية ينطوي على مخاطر ليس فقط للصومال، بل للتجارة الإقليمية والاستقرار ككل .

التداعيات على الاستقرار الداخلي

قد تؤدي هذه الأزمة إلى توترات داخلية في الصومال. بعض الكيانات الإقليمية، مثل بونتلاند وجوبالاند، لها علاقات وثيقة مع الإمارات وقد لا تمتثل لقرار الحكومة بإلغاء الاتفاقيات . كما أن أرض الصومال (صومالي لاند) رحبت بموقف الإمارات، حيث قال وزير الرئاسة خضر حسين عبدي: “أحلام الصومال لا تغير شيئاً. الإمارات صديقة موثوقة لأرض الصومال. استثمرت في بربرة عندما شك فيها الآخرون. نحن أمة مبادئ، ونقف بجانب أصدقائنا” .

هذا يعني أن الحكومة الصومالية ستواجه تحديات في فرض قرار إلغاء الاتفاقيات على جميع أراضي الصومال التي أساسا لا تملك سيطرة تمكنها من إدارتها، خاصة في الكيانات الإقليمية التي لها مصالح اقتصادية مباشرة مع الإمارات.

التوقعات المستقبلية

أزمة إيقاف الدعم الإماراتي للصومال تمثل نقطة تحول مهمة في العلاقات بين البلدين وفي السياسة الإقليمية الأفريقية. تعكس هذه الأزمة صراعاً أساسياً  قد يكون له تداعيات طويلة الأمد على الاستقرار الصومالي والتوازنات الإقليمية.

من المتوقع أن تستمر التوترات بين البلدين في المدى القصير، مع احتمالية حدوث مفاوضات لاحقة. قد تحاول الحكومة الصومالية إيجاد شركاء دوليين بدلاء لتعويض الدعم الإماراتي المفقود. كما قد تحاول الإمارات الحفاظ على نفوذها من خلال الكيانات الإقليمية والمناطق الانفصالية.

عبد الغني أحمد