الجيش السوداني يفك الحصار عن الدلنج بعد عامين ونصف من سيطرة قوات الدعم السريع، واستمرار الاشتباكات

يدخل النزاع المسلح في السودان، بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، عامه الثالث تقريباً على وقع تصعيد عسكري وتفاقم غير مسبوق في الأزمة الإنسانية. لقد تحولت الأزمة السودانية إلى أكبر كارثة نزوح داخلي في العالم، حيث تتصدر البلاد المشهد الإنساني العالمي بأرقام مفزعة تعكس الانهيار المتواصل للبنى التحتية والخدمات الأساسية .

 

التطورات الميدانية والعسكرية

شهد شهر يناير 2026 تحولاً في الديناميكيات العسكرية، حيث كثف الجيش السوداني عملياته الهجومية في محاور استراتيجية خارج العاصمة الخرطوم، في محاولة لتأمين طرق الإمداد واستعادة السيطرة على مناطق حيوية .

وأعلن الجيش السوداني عن تحقيق تقدم ميداني في إقليم النيل الأزرق، مؤكداً استعادة السيطرة على منطقة “السِّلِك” التي كانت تحت سيطرة قوات الدعم السريع وحلفائها من الحركة الشعبية (جناح يوسف توكا). كما تمكن الجيش من كسر حصار مدينة “الدلنج” في جنوب كردفان، وفتح طريق الإمداد الاستراتيجي للمدينة، مما يشير إلى استراتيجية جديدة تركز على تأمين الولايات وتخفيف الضغط عن الحاميات المحاصرة. 

 

الخريطة الآن في السودان بعد فك الحصار عن الدلنج الذي دام لمدة عامين ونصف.

 

استمرار الاشتباكات

في المقابل، تواصلت الاشتباكات العنيفة في إقليم دارفور، حيث لا يزال القلق الأممي يتصاعد بشأن أوضاع آلاف الأشخاص في شمال دارفور، خاصة مع تعذر وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة . وتعتمد قوات الدعم السريع على تكتيكات حرب المدن والانتشار الواسع، بينما يسعى الجيش إلى استغلال التفوق الجوي والتحركات البرية المنظمة لاستعادة المبادرة.

 

المشهد السياسي ومسارات السلام

على الصعيد السياسي، لا تزال مسارات الحل السلمي معلقة في حالة من الجمود، حيث لم تظهر مؤشرات جدية على إنهاء الحرب.

وأكد رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، أن الحرب تسببت في “دمار هائل” للبلاد وفي الوقت ذاته، كرر البرهان شروطه لوقف إطلاق النار، والتي تتمحور بشكل أساسي حول خروج قوات الدعم السريع من الأعيان المدنية والمدن، والالتزام بمسار دمجها في القوات المسلحة، وهي شروط ترفضها قوات الدعم السريع، مما يعمق الهوة بين الطرفين .

وشهدت المبادرات الإقليمية والدولية، مثل منبر جدة، تعثراً متواصلاً، حيث تظل المفاوضات معلقة بين مبادرات متفرقة وغياب آليات تنفيذ واضحة . ويشير هذا الجمود إلى أن الأطراف المتحاربة لا تزال تعتقد بإمكانية تحقيق حسم عسكري، مما يطيل أمد الصراع ويؤدي إلى مزيد من الاستنزاف.

 

الأزمة الإنسانية والاجتماعية

تُعد الأزمة الإنسانية في السودان هي الوجه الأكثر مأساوية للصراع. وتُظهر البيانات الأخيرة التي نشرها البنك الدولي ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين صورة قاتمة للوضع .

يوجد في السودان حالياً أكثر من 9.3 مليون نازح داخلي، بينما تشير تقارير أخرى إلى أن العدد الإجمالي للنازحين قد يصل إلى 14 مليون شخص. يعيش 61% من هؤلاء النازحين في ولايات دارفور .

وتتفاقم أزمة الأمن الغذائي، حيث يعاني 57% من النازحين الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي من عدم تلقي أي مساعدات غذائية، مما يضع أجزاء من دارفور وكردفان على شفا ظروف مجاعة . كما أدى انهيار القطاع الصحي إلى ارتفاع في إصابات ووفيات الأوبئة، مثل الحصبة، في وسط وشمال دارفور وفي قطاع التعليم، يواجه أكثر من 8 ملايين طفل خطر ضياع مستقبلهم بسبب توقف الدراسة .

يشير التحليل الشامل للوضع إلى أن الصراع دخل مرحلة من الاستنزاف الطويل الأمد، حيث لا يمتلك أي من الطرفين القدرة على تحقيق حسم عسكري كامل وسريع، بينما تتزايد كلفة الحرب على المدنيين.

 

سيناريوهات المستقبل:

  • سيناريو الاستمرار والجمود: وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب، حيث يستمر القتال المتقطع مع تبادل السيطرة على بعض المناطق، دون تغيير جوهري في موازين القوى. هذا السيناريو يعني استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية والاقتصادية.
  • سيناريو التفتت: يتمثل في تحول الصراع إلى حروب أهلية محلية متعددة الأطراف، خاصة في ظل تزايد نفوذ الميليشيات القبلية وتأثير الإدارة المحلية في مناطق السيطرة المختلفة.

إن السودان يقف على حافة الانهيار الكامل. حيث أن استمرار النزاع المسلح في ظل هذا التدهور الإنساني غير المسبوق يهدد ليس فقط مستقبل السودان، بل استقرار المنطقة بأسرها. في وقت تتنصل القوى الدولية عن تحمل مسؤولية الملايين من النازحين والجوعى الذين ينتظرون بصيص أمل لإنهاء هذه المأساة.