بيدوا تحت النار مجددًا.. اشتباكات داخل المدينة تعيد الصراع بين مقديشو وجنوب غرب الصومال إلى الواجهة
عادت مدينة بيدوا، العاصمة الإدارية لولاية جنوب غرب الصومال، إلى واجهة المشهد الأمني والسياسي بعد اندلاع اشتباكات عنيفة داخل مركز المدينة، الاثنين، بين القوات الفيدرالية الصومالية ومجموعات مسلحة معارضة، في تطور يهدد بإعادة فتح واحدة من أكثر الأزمات السياسية حساسية في البلاد، في وقت تعاني فيه المدينة أصلًا من أزمة إنسانية شديدة.
وبحسب ما نقلته وكالة رويترز عن أحد سكان المدينة وضابط في الجيش الصومالي، اندلع قتال عنيف في مركز بيدوا، بعدما دخلت ميليشيات موالية للرئيس السابق لولاية جنوب غرب الصومال، عبد العزيز حسن محمد لفتاغرين، إلى المدينة من اتجاهين، واشتبكت مع كتيبتين تابعتين للقوات الفيدرالية.
وقال أحد سكان المدينة، ويدعى فرح نور، لرويترز إن الاشتباكات تصاعدت بعد دخول المجموعات المسلحة من جانبين، فيما أفاد بأن القوات الفيدرالية استخدمت أسلحة ثقيلة خلال المواجهات.
القتال داخل المدينة
لم تعد المواجهات تدور في أطراف بيدوا فحسب، بل وصلت إلى قلب المدينة، وفق رواية السكان التي نقلتها رويترز.
وقال نور إنه شاهد مدنيين اثنين قُتلا داخل منزليهما بسبب رصاص طائش، فيما كان مصابون آخرون يُنقلون إلى المستشفى.
وفي المقابل، قال ضابط في الجيش الفيدرالي، الكابتن عثمان عبد الله، لرويترز إن المجموعات المسلحة هي التي هاجمت المدينة صباح الاثنين، وإن القوات الحكومية كانت تدفعها إلى الخلف، مشيرًا كذلك إلى سقوط ضحايا نتيجة دخول الرصاص إلى المنازل.
هذه الروايات تعكس طبيعة المشهد الميداني شديد الاضطراب، حيث تتبادل الأطراف مسؤولية بدء الهجوم، بينما يجد المدنيون أنفسهم وسط الاشتباكات.
هل سقطت بيدوا؟
في خضم القتال ظهرت روايات متناقضة بشأن السيطرة على المدينة.
فقد أعلن حسن محمد، المتحدث باسم لفتاغرين، عبر منشور على فيسبوك، أن القوات التابعة لهم تمكنت من السيطرة على بيدوا، وطالب القوات الفيدرالية بالاستسلام.
لكن رويترز أكدت أن هذا الادعاء لم يكن بالإمكان التحقق منه بصورة مستقلة.
وفي الجهة المقابلة، قال الضابط الفيدرالي عثمان عبد الله إن قوات الحكومة كانت تدفع المجموعات المسلحة إلى الخلف.
ويبدو أن الحديث عن الطرف الذي يسيطر على المدينة بصورة كاملة لا يزال غير محسوم بشكل قاطع.
لماذا بيدوا؟
أهمية بيدوا تتجاوز كونها مدينة صومالية كبرى.
فالمدينة هي العاصمة الإدارية لولاية جنوب غرب الصومال، وتستضيف قوات دولية ومنظمات إنسانية، كما أنها واحدة من أكبر مدن البلاد، ويزيد عدد سكانها على مليون نسمة.
والأكثر حساسية أن بيدوا تستضيف مئات الآلاف من النازحين، ما يعني أن أي تدهور أمني واسع داخل المدينة يمكن أن يتحول سريعًا إلى أزمة إنسانية جديدة.
ولهذا فإن الاشتباكات الحالية لا تمثل مجرد مواجهة بين قوات متنافسة؛ فهي تحدث في مدينة يعتمد فيها جزء ضخم من السكان على المساعدات الإنسانية والخدمات التي تقدمها المنظمات الدولية.
خلفية الأزمة: كيف وصلت القوات الفيدرالية إلى بيدوا؟
الاشتباكات الحالية ترتبط مباشرة بالتطورات التي شهدتها بيدوا منذ مارس/آذار الماضي.
ففي 30 مارس/آذار 2026، سيطر الجيش الوطني الصومالي على بيدوا، وهي الخطوة التي جاءت بعد تصاعد الخلاف بين الحكومة الفيدرالية وقيادة ولاية جنوب غرب الصومال.
وبعد سيطرة القوات الفيدرالية على المدينة، أعلن رئيس ولاية جنوب غرب الصومال آنذاك، عبد العزيز حسن محمد لفتاغرين، استقالته. وكانت إدارته قد دخلت في خلاف حاد مع الحكومة الفيدرالية بشأن العلاقة بين مقديشو والولاية، في وقت كانت فيه البلاد تواجه أيضًا خلافات حول الانتخابات وترتيبات المرحلة السياسية المقبلة.
ومن هنا، فإن عودة القوات الموالية لفتاغرين إلى القتال داخل بيدوا تمثل عودة مباشرة للصراع الذي لم يُحسم سياسيًا بعد.
الأزمة الإنسانية.. الوجه الآخر للمعركة
تأتي الاشتباكات في توقيت شديد الحساسية بالنسبة إلى سكان بيدوا. حيث قالت منظمة أطباء بلا حدود إن الاستجابة لأزمة سوء التغذية في الصومال تضررت من انخفاض التمويل بأكثر من 80%، في حين وصلت مستويات سوء التغذية إلى معدلات خطيرة في مواقع النازحين ببيدوا.
وبحسب مسح أجرته المنظمة في يوليو/تموز، كان طفل واحد من كل أربعة أطفال جرى فحصهم في مواقع النازحين ببيدوا يعاني سوء تغذية حادًا.
وهذا يجعل القتال الحالي أكثر خطورة من مجرد أزمة أمنية.
فالمدينة التي تستقبل مئات الآلاف من النازحين تعاني أصلًا من نقص الموارد، ومع كل جولة قتال جديدة يمكن أن تتعطل حركة السكان والمساعدات، وأن تزداد صعوبة الوصول إلى المستشفيات ومراكز التغذية ومواقع النزوح.
ماذا يعني القتال بالنسبة إلى الصومال؟
المواجهة في بيدوا تكشف مرة أخرى هشاشة التوازن بين الحكومة الفيدرالية والولايات الصومالية.
فبدل أن تبقى الخلافات السياسية داخل المؤسسات والحوارات، عادت إلى الشارع والسلاح، في مدينة ذات أهمية استراتيجية وإنسانية كبيرة.
كما أن استمرار الأزمة قد يفرض ضغوطًا إضافية على الحكومة الفيدرالية التي تواجه أصلًا تحديات أمنية وسياسية واسعة، في حين أن أي انقسام طويل الأمد داخل جنوب غرب الصومال يمكن أن يشتت الجهود الأمنية ويزيد من هشاشة المناطق المتضررة من النزوح والجفاف والصراع.
وبينما تتضارب الروايات حول السيطرة الميدانية، يبقى المؤكد أن القتال وصل إلى قلب بيدوا، وأن مدنيين قُتلوا وأصيب آخرون، وأن المدينة التي تضم مئات الآلاف من النازحين تواجه الآن خطر تفاقم أزمة إنسانية هي أصلًا من بين الأصعب في الصومال.