تحالف في الظل.. كيف واصلت دول عربية التعاون العسكري مع الاحتلال الإسرائيلي بينما كانت تدين حرب غزة؟
خلف بيانات الإدانة التي أطلقتها عواصم عربية ضد الحرب الإسرائيلية على غزة، كانت تجري في الظل ترتيبات عسكرية أكثر تعقيدًا، جمعت تل أبيب بعدد من الدول العربية تحت مظلة أمريكية، في شبكة أمنية سرية هدفها المعلن مواجهة التهديدات الإقليمية، وعلى رأسها إيران.
وتكشف وثائق عسكرية أمريكية مسربة حصلت عليها واشنطن بوست والاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين ونُشرت في أكتوبر/تشرين الأول 2025، عن وجود شبكة أطلق عليها اسم «الهيكل الأمني الإقليمي»، بدأت العمل منذ عام 2022 تحت إشراف القيادة المركزية الأمريكية «CENTCOM».
وضمت الشبكة الاحتلال الإسرائيلي إلى جانب البحرين ومصر والأردن والسعودية وقطر والإمارات، فيما ظهرت الكويت وسلطنة عُمان بوصفهما شريكين محتملين.
المفارقة أن هذه الدول العربية نفسها كانت تصدر، بالتزامن، بيانات شديدة اللهجة ضد الحرب على غزة، وتصف ما يجري بأنه إبادة جماعية وتهجير وتطهير عرقي، بينما كانت أجهزتها العسكرية والأمنية تنخرط في تعاون مع المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
تعاون عسكري تحت غطاء السرية
تكشف الوثائق أن مسؤولين عسكريين عربًا وإسرائيليين عقدوا في مايو/أيار 2024 اجتماعًا رفيع المستوى في قاعدة العديد الجوية داخل قطر، وهي قاعدة تستضيف قوات أمريكية.
ولأن وصول المسؤولين الإسرائيليين عبر القنوات الرسمية المعتادة كان سيترك أثرًا واضحًا، فقد جرى تجاوز الإجراءات التقليدية، ووصل الوفد الإسرائيلي مباشرة إلى القاعدة.
أما تفاصيل الاجتماع فتكشف حجم الحساسية السياسية المحيطة به. فقد تضمنت وثيقة التخطيط الداخلية تعليمات صريحة تحت عنوان «يجب ألا يحدث»، تضمنت منع التصوير والتواصل مع وسائل الإعلام.
حتى ترتيبات الطعام كانت محسوبة بدقة، مع مراعاة القيود الغذائية الإسلامية واليهودية، في مشهد تختصر تفاصيله الصغيرة حجم التناقض الذي أحاط بهذا التعاون: ففي الوقت الذي كانت فيه غزة تعاني الحرب والحصار، كان مسؤولون عسكريون عرب وإسرائيليون يجتمعون سرًا على طاولة واحدة لتنسيق منظومات الدفاع الجوي.
من غزة إلى مواجهة إيران
لم يكن التعاون مجرد لقاءات بروتوكولية عابرة.
بحلول عام 2024، كانت القيادة المركزية الأمريكية قد ربطت معظم أطراف الشبكة في صورة مشتركة للرادارات والدفاعات الجوية، بهدف رصد الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية.
وتظهر الوثائق كذلك اجتماعات شارك فيها مسؤولون سعوديون وأمريكيون لتقديم إحاطات استخباراتية حول ملفات من بينها سوريا والحوثيون وتنظيم الدولة الإسلامية.
وهنا تظهر المفارقة الأكثر وضوحًا: دول عربية لا تقيم علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل كانت تشارك في ترتيبات أمنية وعسكرية مشتركة معها تحت مظلة أمريكية.
لكن هذه الشراكة لم تكن معلنة، بل صُممت منذ البداية لتبقى بعيدة عن الأنظار.
فالوثائق نفسها تؤكد أن هذا الترتيب «لا يشكل تحالفًا جديدًا»، وأن الاجتماعات يجب أن تُعقد بسرية. وبذلك لم تكن السرية نتيجة جانبية للتعاون، بل جزءًا من تصميمه.
لماذا كل هذه السرية؟
بحسب إميل هوكيم، من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، سمحت السرية للدول المشاركة بتجاوز واحدة من أكثر القضايا السياسية حساسية في المنطقة: التعاون مع إسرائيل في الوقت الذي لا يزال فيه الرأي العام العربي يرى القضية الفلسطينية قضية مركزية.
فالعمل مع الضباط الإسرائيليين خلف الأبواب المغلقة أقل كلفة سياسيًا من الظهور العلني إلى جانبهم.
لكن السرية أخفت شيئًا آخر أيضًا: حجم عدم الثقة بين الأطراف نفسها.
وهذا ما كشفه الهجوم الإسرائيلي على الدوحة في سبتمبر/أيلول 2025، عندما استهدفت إسرائيل مسؤولين في حركة حماس داخل العاصمة القطرية.
فالشبكة التي بُنيت على مدى سنوات لتوفير مظلة أمنية إقليمية لم تتمكن من منع الضربة الإسرائيلية داخل أراضي أحد أعضائها.
وبحسب التقرير، كانت الرادارات الأمريكية موجهة أساسًا لرصد التهديدات القادمة من إيران، بينما جاءت الضربة من إسرائيل نفسها. كما لم تتمكن منظومات الدفاع الجوي القطرية من منع الهجوم.
وفي أعقاب ذلك، تعرضت إدارة ترامب لضغوط، فيما قدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اعتذارًا لقطر بعد أسابيع.
وهنا برز السؤال الذي هز جوهر المنظومة: كيف يمكن لدول أن تبني دفاعًا مشتركًا مع الاحتلال الإسرائيلي ضد تهديدات خارجية، بينما لا تستطيع هذه المنظومة حماية إحداها من إسرائيل نفسها؟
الحرب مع إيران تكشف هشاشة الشبكة
لم يتوقف اختبار المنظومة عند قطر.
فمع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في فبراير/شباط 2026، تعرضت المنشآت التي تشكل جزءًا من الشبكة الأمنية الإقليمية لسلسلة من الضربات الإيرانية.
وطالت الهجمات، بحسب التقرير، مقر الأسطول الأمريكي الخامس في البحرين، ورادارات للدفاع الصاروخي في الأردن وقطر، فيما أُبلغ عن أضرار واسعة في الإمارات والكويت والسعودية.
وفي يوليو/تموز، أعلنت إيران استهداف منظومات دفاعية أخرى في الأردن، قبل أن تعود في 29 يوليو/تموز لاستهداف قاعدة موفق السلطي الأردنية مجددًا.
وهكذا وجدت دول الشبكة نفسها في قلب صراع كانت المنظومة قد أُنشئت أساسًا للحيلولة دون اتساعه.
وبحسب التقرير، أصبحت جميع الدول المشاركة في وثائق القيادة المركزية الأمريكية، باستثناء مصر، عرضة لضربات طالت قدراتها الرادارية أو منظوماتها الدفاعية أو منشآتها العسكرية.
عندما تنقلب المنظومة على أصحابها
المفارقة أن النظام الأمني الذي أنشأته الولايات المتحدة مع حلفائها العرب والإسرائيليين لم ينجح في منع الخطر الذي صُمم لمواجهته، بل أصبحت مكوناته نفسها أهدافًا مباشرة.
كما أثارت الحرب ضغوطًا على مخزونات الأسلحة الأمريكية، مع تقارير تحدثت عن استنزاف كبير في الذخائر الهجومية والدفاعية منذ بداية الحرب.
وهنا تبرز أزمة أكبر من مجرد فشل تقني في منظومات الرادار أو الدفاع الجوي: الشبكة التي بنيت لتوفير الأمن الإقليمي أصبحت جزءًا من ساحة الحرب نفسها.
القضية الفلسطينية.. الغائب الحاضر
لكن القضية الأهم ليست فقط فشل المنظومة في حماية أعضائها، بل السؤال السياسي الذي يقف خلفها.
فبحسب الوثائق، لم تكن فلسطين تفصيلًا هامشيًا في هذه المعادلة؛ بل كانت سببًا رئيسيًا للسرية.
الدول العربية المشاركة كانت تدرك أن التعاون العسكري العلني مع الاحتلال، في ظل الحرب على غزة، سيحدث تكلفة سياسية هائلة. ولذلك جرى بناء شبكة ذات بنية مؤسسية وأمنية متكاملة بعيدًا عن الجمهور: مركز للأمن السيبراني، وشبكات اتصالات مشفرة، ومخططون لعمليات المعلومات، واجتماعات عسكرية سرية، وحتى تفاصيل تتعلق بتنظيم الطعام.
وهذا يعني أن المسألة، لا تتعلق فقط بقادة عرب التقوا مسؤولين إسرائيليين بصورة عابرة، بل بمنظومة تعاون أمني وعسكري متعددة الأطراف استمرت سنوات.
في العلن، كانت العواصم العربية تتحدث عن وقف الحرب، وترفض التهجير، وتصف ما يحدث في غزة بأشد العبارات.
وفي الغرف المغلقة، كانت المؤسسات العسكرية تتعاون مع الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة في منظومة دفاعية إقليمية.
بين الخطاب والممارسة
تكشف هذه الوثائق فجوة عميقة بين الخطاب السياسي العربي تجاه فلسطين والممارسة الأمنية والعسكرية لبعض الدول.
فإذا كانت الحكومات العربية تعتبر الحرب على غزة إبادة جماعية وتطهيرًا عرقيًا، فإن استمرار التعاون العسكري والأمني مع الاحتلال يضع تلك الإدانات أمام اختبار حقيقي: هل هي مواقف سياسية فعلية أم مجرد خطاب موجه للاستهلاك الشعبي والدبلوماسي؟
والقضية هنا لا تتعلق فقط بالتطبيع أو العلاقات الثنائية، بل بطبيعة منظومة إقليمية كاملة جرى بناؤها تحت مظلة أمريكية، في وقت كانت فيه غزة تتعرض للقصف.
لقد كشفت الوثائق أن التعاون لم يكن عرضيًا، وأن السرية لم تكن مجرد إجراء أمني، وإنما وسيلة لتجاوز الكلفة السياسية التي كان يمكن أن يفرضها الظهور العلني لهذا التعاون.
وفي النهاية، فإن أكثر ما تكشفه هذه القصة ليس فقط وجود تحالف أمني في الظل، بل التناقض الصارخ بين فلسطين في الخطابات الرسمية، وفلسطين في الحسابات الاستراتيجية لهذه الحكومات.
فبينما كانت البيانات العربية تدين الحرب على غزة، كانت غرف العمليات تناقش الرادارات والصواريخ والاستخبارات مع الاحتلال الإسرائيلي.
وهنا يبقى السؤال الأصعب: إذا كانت غزة هي القضية التي توحّد الخطاب العربي الرسمي، فكيف أصبح الاحتلال الإسرائيلي نفسه شريكًا في المنظومة الأمنية التي تحمي المنطقة؟