تراجع قوات سوريا الديمقراطية أمام تقدم القوات الحكومية

شهدت سوريا في الأيام الأخيرة من يناير 2026 تطورات عسكرية سريعة، حيث تقدمت القوات الحكومية السورية بسرعة في المناطق الشمالية والشرقية، بينما انسحبت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من مناطق استراتيجية كانت تسيطر عليها منذ سنوات.

الخط الزمني للأحداث الأخيرة

الاتفاق والتحضيرات (14-16 يناير)

في 14 يناير 2026، أعلنت قوات سوريا الديمقراطية عن اتفاق لسحب قواتها من المناطق ذات الأغلبية العربية شرقي مدينة حلب . جاء هذا الاتفاق بعد مفاوضات دولية، وخاصة من قبل الولايات المتحدة والعراق. في اليوم التالي، أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع مرسوماً يعترف بحقوق السوريين الأكراد، بما في ذلك الاعتراف باللغة الكردية كلغة وطنية، ومنح الجنسية للمجردين منها، وإعلان عيد النوروز عطلة رسمية . كانت هذه خطوة سياسية من الحكومة الجديدة لتسهيل الانسحاب العسكري وتقليل المقاومة الكردية، مع الحفاظ على وحدة الأراضي السورية.

الانسحاب والتقدم السريع (17-18 يناير)

في صباح 17 يناير، بدأت قوات سوريا الديمقراطية انسحابها الفعلي من مدينة دير حافر والقرى المحيطة بها في ريف حلب الشرقي . استقبل السكان العرب القوات الحكومية بحماس، مما يعكس الاستياء من الحكم الكردي في هذه المناطق ذات الأغلبية العربية. قال أحد السكان لوكالة رويترز: “حدثت بأقل قدر من الخسائر. لقد سفكنا دماء كثيرة في هذا البلد، سوريا. لقد ضحينا وخسرنا كثيراً – الناس متعبون” .
لكن الانسحاب لم يقتصر على حلب. في نفس اليوم، أعلنت القوات الحكومية السورية عن دخولها مدينة الطبقة الاستراتيجية في ريف الرقة، بما في ذلك سد الفرات (أكبر سد في سوريا). كما أعلنت الشركة السورية للبترول عن سيطرة القوات الحكومية على حقلي الرصافة وصفيان النفطيين في ريف الرقة .
في 18 يناير، استمر التقدم السريع للجيش السوري. أعلنت مصادر عسكرية عن سيطرة الجيش على حقل العمر النفطي (أكبر حقل نفطي في سوريا) وحقل كونكو للغاز، كلاهما في محافظة دير الزور . في نفس الوقت، أعلنت قوات سوريا الديمقراطية عن تفجيرها للجسر الجديد “الرشيد” والجسر القديم على نهر الفرات في مدينة الرقة، في محاولة لتأخير تقدم القوات الحكومية .

السيطرة الجغرافية

المنطقة
الجهة المسيطرة
الملاحظات
غرب الفرات (حلب والرقة)
القوات الحكومية السورية
تم السيطرة حديثاً، تحت سيطرة كاملة
دير حافر وما حولها
القوات الحكومية السورية
انسحبت قسد، استقبال شعبي للجيش
الطبقة وسد الفرات
القوات الحكومية السورية
سيطرة استراتيجية على أكبر سد
شرق الفرات (الرقة، الحسكة، القامشلي)
قوات سوريا الديمقراطية
لا تزال تحت السيطرة الكردية
حقول النفط والغاز
القوات الحكومية السورية
السيطرة على أكبر الحقول

 

الصورة

الموارد الاستراتيجية المفقودة

فقدت قوات سوريا الديمقراطية السيطرة على موارد استراتيجية حيوية.
أولاً، سيطرة الجيش السوري على سد الفرات تعني السيطرة على أكبر مصدر للكهرباء والمياه في المنطقة . هذا له آثار اقتصادية وسياسية ضخمة، لأن الكهرباء والمياه هما من أهم احتياجات السكان.
ثانياً، السيطرة على حقول النفط والغاز تعني السيطرة على مصادر الدخل الرئيسية. حقل العمر وحده كان يوفر دخلاً كبيراً لقسد، والآن أصبح تحت سيطرة الحكومة السورية.

الخسائر البشرية والمدنية

رغم أن الانسحاب من حلب تم بسلاسة نسبية، إلا أن الاشتباكات في مناطق أخرى أسفرت عن خسائر. اتهمت الحكومة السورية قوات سوريا الديمقراطية بتنفيذ إعدامات لأسرى وعسكريين، بما فيهم مدنيون، في مدينة الطبقة . 
كما أعلنت السلطات المرتبطة بقسد عن أن سجن يحتوي على معتقلي تنظيم داعش في مدينة الرقة في “خطر وشيك” وسط الاشتباكات الجارية. 

لماذا انسحبت قسد؟

اختارت قوات سوريا الديمقراطية الانسحاب لأسباب عسكرية واضحة.
أولاً، كانت تواجه قوة عسكرية حكومية متفوقة عددياً وتسليحياً. الجيش السوري الجديد، بقيادة الحكومة الجديدة، يمتلك قدرات عسكرية أكبر من قسد.
ثانياً، كانت قسد تعلم أن الاستمرار في القتال قد يؤدي إلى هزيمة كاملة وفقدان أكبر من الأراضي والموارد.
ثالثاً، كانت هناك ضغوط من الحركات القبلية العربية التي تطالب بانسحاب قسد من المناطق ذات الأغلبية العربية .

الأسباب السياسية والدبلوماسية

بالإضافة إلى الضغط العسكري، كانت هناك ضغوط دبلوماسية قوية. الولايات المتحدة، التي تعتبر قسد شريكها الرئيسي في محاربة داعش، كانت تسعى إلى تجنب صراع أوسع. وقد التقى المبعوث الأمريكي الخاص توم باراك بقائد قسد مظلوم عبدي والزعيم الكردي العراقي مسعود بارزاني لتسهيل الانسحاب وتجنب كارثة عسكرية .
كما أن إصدار الرئيس السوري أحمد الشرع للمرسوم الذي يعترف بحقوق الأكراد كان بمثابة “حافز سياسي” لتسهيل الانسحاب. قدم المرسوم وعوداً بحقوق ثقافية ولغوية، مما جعل الانسحاب أسهل سياسياً للقيادة الكردية .

الأسباب الاستراتيجية

من الناحية الاستراتيجية، اختارت قسد الانسحاب من المناطق ذات الأغلبية العربية لتركيز قواتها في المناطق ذات الأغلبية الكردية (شرق الفرات) . هذا يعكس فهماً واقعياً بأن السيطرة على مناطق عربية ستكون مكلفة وغير مستدامة على المدى الطويل. بالانسحاب، تحافظ قسد على قواتها وتركز على الدفاع عن “الوطن الكردي” في الشرق.

الموقف الدولي والإقليمي

تلعب الولايات المتحدة دوراً حاسماً في الوضع الحالي. حيث تعتبر قسد شريكتها الرئيسية في محاربة داعش، وتحافظ على وجود عسكري محدود في المنطقة . وتسعى الولايات المتحدة إلى تجنب صراع أوسع وتحاول الضغط على الحكومة السورية الجديدة للتفاوض مع قسد بدلاً من استخدام القوة العسكرية .

الموقف التركي

تركيا تعتبر قسد/YPG منظمة إرهابية بسبب ارتباطها بحزب العمال الكردستاني (PKK) . قد تحاول تركيا استخدام الفرصة الحالية للضغط على قسد أو حتى شن عمليات عسكرية ضدها. هذا قد يعقد الوضع بشكل أكبر.

الموقف العراقي والكردي العراقي

العراق والحكومة الإقليمية الكردية في العراق تلعبان دوراً وسيطاً. الزعيم الكردي العراقي مسعود بارزاني يحاول الوساطة بين الحكومة السورية الجديدة وقسد . هذا يعكس اهتمام الأكراد العراقيين بمستقبل إخوانهم الأكراد السوريين.

التوقعات المستقبلية: ثلاث سيناريوهات

السيناريو الأول: التكامل المفاوض (الأكثر احتمالاً)

في هذا السيناريو، ستقبل قوات سوريا الديمقراطية بالتدريج التكامل في الهياكل الحكومية السورية . ستنهي الحكم الذاتي الكردي، لكنها ستحصل على ضمانات لحقوق ثقافية ولغوية. قد تحتفظ بقوات محلية تحت إشراف الحكومة المركزية، أو قد يتم دمجها بالكامل في الجيش السوري. ستستمر الولايات المتحدة في الحفاظ على وجود عسكري محدود لمحاربة داعش.
في هذا السيناريو، يمكن توقع استقرار نسبي بحلول منتصف 2026. ستحقق الحكومة السورية الجديدة وحدتها الإقليمية، وستحصل الأكراد على بعض الحقوق الثقافية. هذا يعني نهاية الحكم الذاتي الكردي الذي استمر منذ 2014، لكنه قد يكون أفضل من بديل الحرب المستمرة.

السيناريو الثاني: التوتر المستمر

في هذا السيناريو، ترفض قسد قبول شروط التكامل الكامل، وتحاول الحفاظ على درجة من الحكم الذاتي شرق الفرات . ستستمر الاشتباكات المتقطعة والتوترات العسكرية. قد تحدث “حرب استنزاف” طويلة الأمد، حيث تحاول الحكومة السورية الجديدة تضييق الخناق على قسد، بينما تحاول قسد الحفاظ على وجودها.
في هذا السيناريو، قد يستمر الوضع على حاله لسنوات، مع عدم اليقين حول النتيجة النهائية. قد تتدخل قوى إقليمية أخرى (تركيا، العراق) لتحقيق مصالحها الخاصة.

السيناريو الثالث: التصعيد والصراع الأوسع

في أسوأ السيناريوهات، قد ترفض قسد الانسحاب بالكامل وتختار الدفاع عن مواقعها بالقوة . قد يؤدي هذا إلى حرب واسعة النطاق بين الجيش السوري وقسد. قد تتدخل الولايات المتحدة عسكرياً لحماية حليفتها، مما يؤدي إلى صراع أوسع يشمل تركيا والعراق. قد يؤدي هذا إلى كارثة إنسانية ضخمة وعدم استقرار إقليمي.
هذا السيناريو أقل احتمالاً، لكنه ممكن إذا رفضت قسد قبول الواقع الجديد.

العوامل الحاسمة في المستقبل

تختلف الحكومة الجديدة برئاسة أحمد الشرع جذرياً عن نظام بشار السابق. إذا استطاعت هذه الحكومة تقديم ضمانات حقيقية لحقوق الأكراد وإدماجهم في الهياكل الحكومية، فقد يكون هناك فرصة للاستقرار. لكن إذا حاولت فرض السيطرة الكاملة دون تلبية المطالب الكردية، فقد يحدث صراع مستمر.
تلعب الولايات المتحدة دوراً حاسماً. إذا استمرت الولايات المتحدة في دعم قسد عسكرياً وسياسياً، قد تكون قادرة على الضغط على الحكومة السورية الجديدة للتفاوض. لكن إذا قررت الولايات المتحدة الانسحاب أو تقليل دعمها، فإن قسد ستكون في وضع ضعيف جداً .
أما تركيا فقد تحاول استخدام الفرصة الحالية لتحقيق أهدافها الأمنية ضد PKK/YPG. هذا قد يعقد الوضع بشكل كبير ويؤدي إلى تصعيد إضافي.
من جانبهم، الأكراد السوريون يواجهون خيارات صعبة. قد يختارون التفاوض والحصول على حقوق ثقافية، أو قد يختارون المقاومة والدفاع عن استقلاليتهم. هذا يعتمد على قيادتهم وعلى تقييمهم للموقف العسكري والسياسي.

الآثار الاقتصادية والإنسانية

السيطرة على حقول النفط والغاز سيعطي الحكومة السورية الجديدة موارد اقتصادية ضخمة . هذا قد يساعد في إعادة بناء الاقتصاد السوري المنهار. 
كما أن السيطرة على سد الفرات ستعطي الحكومة السورية الجديدة سلطة على المياه والكهرباء، وهذا قد يكون أداة سياسية قوية .
بينما الانسحاب السريع لقسد قد يؤدي إلى نزوح آلاف الأشخاص . قد يكون هناك لاجئون جدد، وقد تحدث انتهاكات حقوق الإنسان. ويبقى ملف السجون معلقا بين التوقعات حول تقرير مصير السجناء .

 

حقبة جديدة 

تشهد سوريا تشهد تحولاً جذرياً في التوازن العسكري والسياسي. انسحاب قوات سوريا الديمقراطية من المناطق الغربية يمثل نهاية حقبة من الحكم الذاتي الكردي، وبداية حقبة جديدة من السيطرة الحكومية المركزية. السيناريو الأكثر احتمالاً هو التكامل التدريجي لقسد في الهياكل الحكومية السورية، مع الحفاظ على بعض الحقوق الثقافية واللغوية.
الحكومة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع تمثل فرصة جديدة لسوريا. بخلاف النظام السابق الذي كان مدعوماً من روسيا وإيران، هذه الحكومة الجديدة مستقلة وقد تكون أكثر استعداداً للاستماع إلى احتياجات جميع مكونات المجتمع السوري، بما في ذلك الأكراد.
لكن هذا لا يعني أن الطريق سيكون سلساً. قد تحدث توترات وصراعات إضافية. قد تحاول قسد الحفاظ على درجة من الاستقلالية، وقد تحاول الحكومة السورية فرض السيطرة الكاملة. الولايات المتحدة قد تحاول التدخل لحماية مصالحها. تركيا قد تحاول استخدام الفرصة لتحقيق أهدافها الأمنية.
في النهاية، مستقبل سوريا يعتمد على قدرة الحكومة السورية الجديدة على بناء دولة شاملة بجميع مكوناتها، وعلى استعداد الأكراد للتفاوض والتكامل في هذه الدولة الجديدة. إذا نجح هذا، قد نشهد استقراراً نسبياً في سوريا وبداية عصر جديد في حياة سوريا. وإذا فشل، قد نشهد صراعاً مستمراً وعدم استقرار إقليمي.

 

ساجد العمري