ترامب وحرب «اللاخطر»: حين تعود منطقية حروب الاحتلال إلى المشهد الأمريكي
مقال تحليلي يرى أن الحروب الأمريكية في عهد دونالد ترامب تتجه نحو نمط من العنف غير المتكافئ، حيث تُفرض كلفة بشرية هائلة على الخصوم مقابل تعريض القوات الأمريكية لمخاطر محدودة
في خطاباته الأخيرة بشأن الحرب مع إيران، استخدم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لغة شديدة التصعيد، متحدثًا عن «إبادة» القيادة الإيرانية وعن ضرورة أن تدفع إيران ثمنًا مضاعفًا لكل جندي أمريكي يُقتل. ويرى الكاتب نيك تورس، في تحليل نشرته The Intercept في 5 أغسطس/آب 2026، أن هذه التصريحات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد مبالغات خطابية، بل باعتبارها انعكاسًا لنمط أوسع في طريقة إدارة الولايات المتحدة لحروبها في عهد ترامب.
ويضع تورس هذا النمط في إطار ما يسميه «الحرب غير المتكافئة» أو «الحرب بلا مخاطر»، حيث تمتلك الولايات المتحدة تفوقًا هائلًا في القوة النارية والتكنولوجيا، بما يسمح لها بإيقاع خسائر كبيرة بخصومها مع إبقاء الخسائر الأمريكية عند مستويات منخفضة نسبيًا.
من إيران إلى اليمن والصومال
بحسب التحليل، لا تقتصر هذه المعادلة على الحرب الإيرانية، بل تظهر في ساحات متعددة خاضت فيها إدارة ترامب عمليات عسكرية، من اليمن والصومال إلى فنزويلا والبحر الكاريبي.
ويستشهد المقال بأرقام لخسائر متفاوتة بين الأطراف. ففي الحرب مع إيران، يقدر المقال عدد القتلى الإيرانيين بما يتراوح بين 3,375 و6,000 قتيل، مقابل نحو 19 قتيلًا أمريكيًا. كما يشير إلى أن إجمالي الخسائر الإيرانية، بين القتلى والجرحى، بلغ عشرات الآلاف مقابل أكثر من 700 عسكري أمريكي بين قتيل وجريح وفق الأرقام الرسمية التي يستند إليها.
ويشير تورس كذلك إلى الحرب الأمريكية في اليمن عام 2025، حيث وثقت جهات رصد، وفق المقال، مقتل أكثر من 220 مدنيًا جراء الضربات الأمريكية خلال حملة «Rough Rider»، إلى جانب مئات المقاتلين، بينما لم تسجل الولايات المتحدة، بحسب المقال، أي قتيل خلال الحملة.
وفي الصومال، يشير المقال إلى أن الضربات الأمريكية خلال ولاية ترامب الثانية أسفرت عن مئات القتلى، في حين لم تسجل خسائر أمريكية مماثلة. كما يلفت إلى حملة ضرب القوارب في البحر الكاريبي والمحيط الهادئ، والتي يقول إنها أوقعت أكثر من 200 قتيل دون خسائر أمريكية.
وهذه الأرقام، لا تعكس مجرد تفوق عسكري تقليدي، بل تحولًا في طبيعة الحرب نفسها: طرف يملك القدرة على توجيه الضربات من مسافات بعيدة وبمخاطر محدودة، وطرف آخر يتحمل الجزء الأكبر من الكلفة البشرية.
استدعاء تاريخ الاحتلال
يربط تورس هذا النمط بتاريخ أقدم من الحروب الأمريكية المعاصرة، ويستحضر نماذج من الحروب الاستعمارية الأوروبية والأمريكية خلال القرن التاسع عشر، حين أتاحت الفجوة الهائلة في التسليح والتكنولوجيا للقوى الاستعمارية استخدام قوة نارية ضخمة ضد شعوب أقل تسليحًا.
ويستشهد الكاتب بمجازر تعرض لها السكان الأصليون في تسمانيا وأمريكا الشمالية وأفريقيا، معتبرًا أن أحد أوجه التشابه يكمن في الاختلال الشديد في ميزان الخسائر بين القوات الغازية والسكان المستهدفين.
ويستحضر في هذا السياق رواية «حرب العوالم» للكاتب البريطاني إتش. جي. ويلز، التي تصور غزو كائنات تمتلك تفوقًا تقنيًا هائلًا على البشر. ويرى تورس أن الرواية نفسها استندت إلى مفارقة تاريخية: الأوروبيون الذين استنكروا فكرة إبادة البشر على يد كائنات فضائية كانوا قد مارسوا، في سياقات استعمارية، عمليات تدمير واسعة بحق شعوب أضعف تسليحًا.
ومن هنا تأتي المقارنة التي يقوم عليها المقال: حين تصبح الحرب بلا مخاطرة تقريبًا بالنسبة إلى الطرف الأقوى، قد تتحول القوة العسكرية من وسيلة للدفاع إلى أداة لإيقاع دمار واسع دون كلفة مماثلة على مستخدمها.
إرث أندرو جاكسون ومجازر السكان الأصليين
ويمضي المقال أبعد من ذلك في ربط سياسات ترامب بتاريخ التوسع الأمريكي.
ويشير إلى إعجاب ترامب المتكرر بالرئيس الأمريكي الأسبق أندرو جاكسون، الذي ارتبط عهده بسياسة إبعاد السكان الأصليين، وما عُرف بـ«درب الدموع»، الذي أدى إلى تهجير قسري ومقتل أعداد كبيرة من السكان الأصليين.
كما يستحضر الكاتب مجزرة الركبة المجروحة (Wounded Knee) عام 1890، عندما أدى محاولة نزع سلاح مجموعة من سكان لاكوتا إلى إطلاق نار كثيف، قُتل خلاله ما يصل إلى نحو 300 من السكان الأصليين، بينهم نساء وأطفال، مقابل خسائر عسكرية أمريكية أقل بكثير.
ويرى تورس أن هذه الأمثلة التاريخية تساعد على فهم ما يسميه «العنف الاستعماري غير المتكافئ»، حيث لا تكون المعركة بين قوتين متقاربتين، وإنما بين قوة تمتلك تفوقًا هائلًا في التكنولوجيا والتسليح وطرف آخر لا يستطيع فرض كلفة مماثلة.
«الحرب بلا مخاطر»
يستند المقال إلى مفهوم طرحه الباحث القانوني بول كان قبل أكثر من ربع قرن، وهو «الحرب بلا مخاطر» (Riskless Warfare).
الفكرة الأساسية لهذا المفهوم أن الحرب التقليدية تقوم، ولو بصورة غير متساوية، على تعرض الأطراف المتحاربة للخطر. لكن عندما تستطيع دولة أن تقتل وتدمر من مسافة بعيدة دون أن يتعرض جنودها تقريبًا للخطر، فإن طبيعة الحرب تتغير.
ويستعين تورس كذلك بمفهوم الباحث في أخلاقيات الحرب نيل رينيك، الذي يسمي هذا الوضع «اللاتناظر الجذري» (Radical Asymmetry)؛ أي أن أحد طرفي الصراع يتجاوز عمليًا مستوى الخطر الجسدي الذي كان يُنظر إليه تاريخيًا باعتباره جزءًا لا مفر منه من الحرب.
وحسب هذا الطرح، فإن إزالة الخطر عن الطرف الأقوى قد تؤدي تدريجيًا إلى نزع الصفة الإنسانية عن الطرف الأضعف؛ فلا يعود يُنظر إليه باعتباره خصمًا ينبغي مواجهته، بل هدفًا ينبغي تعقبه والقضاء عليه.
من «الردع» إلى التدمير
ويضع المقال تصريحات ترامب بشأن إيران في قلب هذه المعادلة.
ففي منشورات وتصريحات مختلفة، تحدث ترامب عن إمكانية تدمير إيران أو إعادتها إلى ما قبل التطور الحديث، كما استخدم صورًا ذات طابع كارثي مرتبطة بالحرب والدمار النووي.
ويرى تورس أن هذه اللغة تصبح أكثر إثارة للقلق بالنظر إلى أن الولايات المتحدة تمتلك واحدة من أكبر الترسانات النووية في العالم. وفي رأيه، فإن الجمع بين الخطاب التدميري والتفوق العسكري الهائل وانخفاض المخاطر على القوات الأمريكية يمثل تحولًا خطيرًا في الطريقة التي يُنظر بها إلى الحرب.
ولا يتوقف الأمر، في رؤية الكاتب، عند إيران؛ إذ يرى أن شعوبًا في الشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية أصبحت في مرمى حملات عسكرية أمريكية متكررة، ما يجعل النمط أوسع من حرب واحدة أو جبهة واحدة.
ما الذي يعنيه ذلك؟
لا يقول المقال إن الحروب الأمريكية الحالية مطابقة حرفيًا للحملات الاستعمارية في القرن التاسع عشر؛ بل يعترف بوجود اختلافات كبيرة، من بينها أن ترامب لا يعلن رسميًا التفوق العرقي بوصفه مبررًا لحروبه.
لكن تورس يرى أن التشابه يكمن في بنية القوة والعنف: قوة عسكرية متفوقة تستطيع شن عمليات واسعة من دون تحمل خسائر بشرية قريبة من تلك التي يتحملها الطرف الآخر.
وهنا تكمن الفكرة المركزية للمقال: كلما تراجعت المخاطر التي يتحملها الطرف الأقوى، زادت احتمالات تحول الحرب إلى ممارسة للعنف الأحادي الجانب، وتراجع الحاجز الأخلاقي والسياسي أمام استخدام القوة.
ويحذر هذا المنظور من أن التفوق العسكري المطلق لا يعني بالضرورة تحقيق الأمن أو السلام؛ فقد يؤدي بدلًا من ذلك إلى تكريس دوامة من العنف، خصوصًا عندما يتحول الخصم من طرف سياسي أو عسكري إلى مجرد «هدف» يمكن تدميره بأقل كلفة ممكنة.
وفي النهاية، يضع تورس حرب ترامب على إيران ضمن سياق أوسع من التدخلات العسكرية الأمريكية في عهده، معتبرًا أن ما يجمع هذه العمليات هو اتساع الفجوة بين حجم القوة المستخدمة وحجم المخاطر التي يتحملها الطرف الأمريكي.
وبذلك، فإن السؤال الذي يطرحه المقال ليس فقط: كم عدد الحروب التي تخوضها الولايات المتحدة؟ بل: ماذا يحدث عندما تصبح الحرب بالنسبة إلى القوة الأعظم في العالم عملية يمكن خوضها من دون تحمل الثمن البشري الذي يُفرض على الطرف الآخر؟