تسليم القاعدة الإثيوبية في بورهكبا، ومزاد «أنصوص»، وتصاعد هجمات حركة الشباب المجاهدين: أزمة التمويل تنذر بانسحاب شامل لـ«أوصوم»

أثار تسليم القوات الإثيوبية مسؤولية قاعدتها العسكرية في مدينة بورهكبا بولاية باي موجة واسعة من التساؤلات والتحليلات، بعدما حظيت الخطوة خلال الأيام الأخيرة باهتمام وسائل الإعلام الدولية والإقليمية ومراكز البحوث المعنية بالشؤون السياسية والأمنية في القرن الإفريقي.
ولا تنحصر أهمية الخطوة في انتقال إدارة موقع عسكري منفرد من القوات الإثيوبية إلى القوات الصومالية، بل ترتبط بسياق أوسع يشمل أزمة تمويل بعثة الاتحاد الإفريقي للدعم والاستقرار في الصومال «أوصوم» (AUSSOM)، والاستعدادات الجارية لتقليص الدعم اللوجستي الأممي، والمخاوف من حدوث فراغ أمني في المواقع التي قد تخليها القوات الأجنبية.

قاعدة إثيوبية امتد وجودها أكثر من عقد

ظلت القوات الإثيوبية متمركزة في قاعدة بورهكبا طوال أكثر من عقد، قبل أن تؤكد قيادة بعثة «أوصوم»، في بيان رسمي، أن مسؤولية الموقع سُلّمت يوم السبت 8 أغسطس/آب إلى القوات الصومالية.
وقدمت قيادة البعثة الخطوة باعتبارها مؤشرًا على تسريع عملية نقل المسؤوليات الأمنية تدريجيًا إلى الحكومة الصومالية وميليشياتها، ضمن الخطة العامة الهادفة إلى تقليص اعتماد البلاد على القوات الإفريقية.
غير أن التسليم أثار مخاوف بشأن قدرة الميليشيات الصومالية على حماية الموقع والاحتفاظ به، وما إذا كانت الخطوة مجرد إعادة انتشار محدودة، أم أنها تمثل بداية عملية أوسع تتخلى خلالها القوات الإثيوبية وبقية وحدات «أوصوم» عن قواعدها في أنحاء البلاد.

«هورن ريفيو»: خطوة ضمن مسار أوسع

عبّر معهد «هورن ريفيو»، وهو مركز أبحاث إثيوبي مقره أديس أبابا ومتخصص في تحليل القضايا السياسية والأمنية في القرن الإفريقي، عن قلقه الشديد إزاء نقل مسؤولية قاعدة بورهكبا من القوات الإثيوبية إلى الميليشيات الحكومية الصومالية.
وأوضح المعهد أن الخطوة، رغم المخاوف المحيطة بها، تأتي ضمن مسار أوسع تسعى القوات الإثيوبية من خلاله إلى تسليم المواقع الخاضعة لسيطرتها تدريجيًا إلى الميليشيات الحكومية الصومالية.
وأشار التقرير إلى الأهمية الاستراتيجية لمدينة بورهكبا، الواقعة على الطريق الرئيسي الرابط بين العاصمة مقديشو ومدينة بيدوا، لافتًا إلى وجود مقاتلي حركة الشباب المجاهدين في المناطق المحيطة بها، وهو ما يزيد حساسية أي تغيير في الترتيبات الأمنية داخل المدينة.

أسباب غير معلنة وضغوط متراكمة

ذكر «هورن ريفيو» أن الأسباب المباشرة التي دفعت إلى تسليم مسؤولية القاعدة في هذا التوقيت لم تُعرض على الرأي العام بصورة تفصيلية.
وأوضح أن التفسير المعلن يقتصر على الخطة العامة لبعثة «أوصوم» لنقل مسؤولية القواعد، لكن الخطوة تتزامن كذلك مع ضغوط مالية وسياسية متصاعدة تهدد استمرار المهمة الإفريقية ومستقبلها.
وأشار التقرير إلى أن الدول المشاركة بقوات في «أوصوم» أدركت خطورة الوضع خلال اجتماعها في العاصمة الأوغندية كمبالا أواخر يوليو/تموز، وطالبت بتمديد المرحلة الانتقالية مدة تتراوح بين 18 و24 شهرًا.
غير أن الدول المشاركة، بحسب التقرير، لم تقدم آلية تمويل بديلة ومستقرة يمكن الاعتماد عليها لتغطية تكاليف هذا التمديد واستمرار العمليات والدعم اللوجستي.

مزاد «أنصوص» وإشارات تفكك المهمة

تطرق التقرير إلى شروع مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال «أنصوص» (UNSOS) في خطة لبيع بعض ممتلكات المنظمة الموجودة داخل الصومال عبر المزاد.
ووصف «هورن ريفيو» هذه الخطوة بأنها إشارة واضحة إلى حالة اليأس وعدم اليقين التي تحيط بالمهمة، بالتزامن مع تزايد القدرات العسكرية لحركة الشباب المجاهدين واتساع نشاطها الميداني.
وأبدى «مشروع التهديدات الحرجة» (Critical Threats Project) ، وهو مشروع أمريكي للبحوث والتحليلات الأمنية تابع لـ«معهد أميركان إنتربرايز» ومقره واشنطن، تشاؤمه هو الآخر حيال تسليم قاعدة بورهكبا وخطة بيع الممتلكات الأممية.
وقال المشروع إن هذه التطورات تأتي في وقت يخيم فيه غموض واسع على مستقبل بعثة «أوصوم»، وعلى مدى قدرة القوات الصومالية على تسلّم المواقع والمهام الأمنية التي تديرها حاليًا القوات الإفريقية.

أربعة عوامل تضغط على «أوصوم»

حدد «هورن ريفيو» مجموعة من التطورات المتزامنة التي تقف خلف الأزمة المتفاقمة، وفي مقدمتها:
• قرار الولايات المتحدة وقف تمويل الدعم الذي يقدمه «أنسوس» إلى القوات الإفريقية.
• تصاعد الأزمة السياسية والمؤسسية داخل الحكومة الصومالية.
• تغير موازين القوى والنفوذ في منطقة القرن الإفريقي.
• غياب آلية بديلة ومستدامة لتمويل الإمدادات والخدمات اللوجستية.
وأشار التقرير إلى أن اجتماع هذه العوامل يجعل عملية تسليم القواعد أكثر خطورة من مجرد تغيير إداري أو ميداني محدود، لأنها قد تجري في ظل غياب الموارد اللازمة لحماية المواقع التي تخليها القوات الأجنبية.

تطور قدرات حركة الشباب المجاهدين

رأى المعهد الإثيوبي أن حركة الشباب المجاهدين حققت تقدمًا في مجالات القوة العسكرية والموارد الاقتصادية واستخدام التكنولوجيا، وأن المرحلة الانتقالية الحالية قد تمنحها فرصة لتوسيع نفوذها إلى مناطق جديدة والاستيلاء على قواعد تخليها القوات الأجنبية.
وبحسب التقرير، تتضاعف المخاطر الناتجة من احتمال انسحاب القوات الإثيوبية من مواقع استراتيجية مثل بورهكبا بسبب حالة عدم اليقين الواسعة التي تضرب بعثة «أوصوم» بأكملها.
ولم يستبعد المعهد أن تحاول حركة الشباب المجاهدين السيطرة سريعًا على المواقع التي تنسحب منها القوات الأجنبية، مستندًا إلى تجارب سابقة تمكنت خلالها الحركة من استغلال عمليات الإخلاء والاستحواذ على قواعد ومناطق تُركت دون حماية كافية.

بورهكبا ومخاطر الفراغ الأمني

شدد «هورن ريفيو» على أن بورهكبا تُعد موقعًا شديد الهشاشة، بسبب انتشار عناصر حركة الشباب المجاهدين في المناطق المحيطة بها، وضعف قدرات القوات الصومالية التي تسلّمت مسؤولية القاعدة.
وأوضح أن القلق الأكبر يتمثل في الفراغ الأمني المتوقع إذا غادرت القوات الأجنبية، في ظل عدم وجود قوات محلية موثوقة ومؤهلة بصورة كاملة لتسلّم القواعد والمواقع التي تعتمد عليها الحكومة الصومالية في حماية نظامها ومراكز نفوذها.
وأضاف أن طلب الحكومة الصومالية تأجيل انسحاب القوات الأجنبية مدة عامين يصطدم بحقيقة مالية واضحة، وهي أن تمديدًا بهذا الحجم لا يمتلك حتى الآن مصدر تمويل مؤكدًا.

تسليم منفرد أم بداية انسحاب شامل؟

أكد المعهد أن بعثة «أوصوم» تواجه أزمة تمويل شديدة الخطورة، محذرًا من أن عمليات التسليم المنفردة والمتتابعة للقواعد قد تتحول إلى نقطة انطلاق لانسحاب واسع لقوات البعثة من مختلف أنحاء الصومال.
ورأى أن الانسحاب السريع، في غياب التمويل والدعم الكافيين، قد يعيد إنتاج الظروف التي سمحت لحركة الشباب المجاهدين بتعزيز قوتها بعد التدخل الإثيوبي عام 2006، وكذلك عقب عمليات الانسحاب الجزئية التي جرت في مراحل لاحقة.
وبناءً على ذلك، اعتبر «هورن ريفيو» أن تسليم قاعدة بورهكبا ليس مجرد تعديل عملياتي محدود، بل مؤشر على ضغوط متراكمة تشمل ضعف المؤسسات الأمنية الصومالية، والتوقف المفاجئ للدعم اللوجستي، وتطور قدرات حركة الشباب المجاهدين، والتحولات الجارية في البيئة الإقليمية.

«مشروع التهديدات الحرجة»: الحركة ستستغل الفرص المقبلة

ذهب «مشروع التهديدات الحرجة» إلى أن المؤشرات الحالية ترجح محاولة حركة الشباب المجاهدين استغلال الفرص التي قد تنتج من تراجع القوات الأجنبية أو انسحابها.
وأشار إلى أن الحركة كثفت بالفعل عملياتها في وسط الصومال وجنوبه، إلى جانب المناطق الواقعة في شمال شرقي كينيا.
كما قال التقرير إن الحركة زادت أنشطتها الرامية إلى تعزيز نفوذها في ضواحي مقديشو، ورفعت وتيرة هجماتها في ولاية شبيلي السفلى بنسبة 60% خلال الفترة الممتدة من يونيو/حزيران إلى أغسطس/آب 2026، مقارنة بالفترة من يناير/كانون الثاني إلى مايو/أيار من العام نفسه.

تفجيران وحصيلة بلغت 52 جنديًا

استشهد المشروع، في معرض حديثه عن تصاعد الهجمات، بتفجيرين وقعا يوم الاثنين الماضي، الذي حدده المصدر بتاريخ 27 صفر، في ولاية شبيلي السفلى جنوب الصومال.
وبحسب المعلومات التي أوردها التقرير، أسفر التفجيران عن مقتل وإصابة 52 عنصرًا من الميليشيات الحكومية الصومالية.
واستخدم المشروع هذه الواقعة مثالًا على قدرة الحركة على تنفيذ هجمات توقع خسائر كبيرة في صفوف الميليشيات المحلية خلال المرحلة التي تتزايد فيها الضغوط على بعثة «أوصوم».

ارتفاع الهجمات داخل مقديشو

أورد التقرير كذلك بيانات «مشروع مواقع وأحداث النزاعات المسلحة» (ACLED)، التي أشارت إلى أن حركة الشباب المجاهدين نفذت داخل مقديشو، خلال الفترة من 1 إلى 7 أغسطس/آب، عددًا من الهجمات تجاوز ما سُجل خلال الفترات السابقة من عام 2026.
ويرى التقرير أن هذا النشاط يعكس تركيز الحركة على العاصمة ومحيطها، بالتزامن مع تصاعد عملياتها في الولايات والمناطق الأخرى.

السيطرة على تيدان وتداعياتها الاستراتيجية

تناول التقرير أيضًا سيطرة حركة الشباب المجاهدين على منطقة تيدان، واصفًا التطور بأنه تقدم استراتيجي قد يسهّل للحركة عددًا من التحركات والعمليات العسكرية.
ووضع التقرير السيطرة على تيدان ضمن سلسلة مؤشرات يرى أنها تكشف عن توسع نفوذ الحركة واستفادتها من ضعف الميليشيات الحكومية والضغوط التي تواجه القوات الإفريقية.

مضاعفة العمليات في شمال شرقي كينيا

على الجبهة الكينية، أفاد التقرير بأن حركة الشباب المجاهدين رفعت وتيرة عملياتها خلال أغسطس/آب الجاري، وكذلك خلال شهري يونيو/حزيران ويوليو/تموز السابقين.
وأشار إلى أن الحركة ضاعفت هجماتها خصوصًا في مقاطعة مانديرا، في مؤشر إلى اتساع نشاطها خارج الحدود الصومالية بالتزامن مع تصاعد عملياتها في وسط الصومال وجنوبه.

 

ختاما

تجمع التقارير المشار إليها بين تسليم قاعدة بورهكبا، وأزمة تمويل «أوصوم»، وخطة بيع بعض الممتلكات الأممية، وضعف الميلشيات الحكومية الصومالية، وتصاعد نشاط حركة الشباب المجاهدين في الصومال وشمال شرقي كينيا.
وتخلص هذه التقارير إلى أن الخطوة قد تتجاوز كونها عملية تسليم محدودة، لتصبح مؤشرًا مبكرًا على انسحاب أوسع للقوات الإفريقية.