تصاعد الضربات الأمريكية في الصومال.. مدنيون بين القتل والإصابة والنزوح وسط غياب المساءلة
تتصاعد الضربات الجوية الأمريكية في الصومال بوتيرة غير مسبوقة، في إطار العمليات العسكرية التي تستهدف حركة الشباب والجماعة المرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية، لكن شهادات ناجين وعائلات متضررة تكشف عن كلفة إنسانية ثقيلة يدفعها المدنيون، تشمل القتل والإصابات الخطيرة والنزوح وفقدان مصادر الرزق، وسط خلاف بشأن مسؤولية القوات الأمريكية عن الأضرار التي وقعت خلال العمليات.
وبحسب تحقيق نشرته قناة الجزيرة في 20 أكتوبر الجاري، أظهرت سجلات القيادة الأمريكية في إفريقيا «أفريكوم» تنفيذ 84 ضربة جوية في الصومال حتى نهاية سبتمبر 2026، فيما وثقت مؤسسة «نيو أمريكا» البحثية 88 ضربة خلال الفترة نفسها، في مؤشر على اتساع نطاق الحملة العسكرية الأمريكية منذ عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة.
جامامي.. شهادات عن ضحايا مدنيين
تسلط أحداث مدينة جامامي ومحيطها في ولاية جوبالاند جنوبي الصومال الضوء على التداعيات الإنسانية لهذه العمليات. ففي نوفمبر 2025، تعرضت المنطقة لعمليات عسكرية شاركت فيها القوات الصومالية بدعم من الضربات الجوية الأمريكية، واستهدفت مواقع لحركة الشباب المجاهدين في القرى المحيطة بالمدينة.
وتروي مريم حاجي عبدي غولد أن ثلاثة من أطفالها الستة أصيبوا خلال القصف، وكان ابنها عبد القادر صلاح، البالغ آنذاك سبع سنوات، الأكثر تضررا، إذ استقرت شظايا في جسده، بينها قطعة لا تزال قرب الورك، ويخشى الأطباء أن تؤدي إزالتها إلى إصابته بالشلل.
واضطرت الأم إلى نقله في رحلة شاقة استغرقت أكثر من 24 ساعة إلى مقديشو بحثا عن العلاج. وبعد عملية جراحية أجريت له في سبتمبر 2026، أُزيلت قطعتان من الشظايا، فيما بقيت الثالثة بسبب المخاطر الطبية المرتبطة بإزالتها. ولا تزال الأسرة تقيم في العاصمة، بعيدا عن منزلها ومصدر رزقها السابق، خشية عجزها عن توفير الرعاية الطبية اللازمة إذا عادت إلى جامامي.
ولا تقتصر الخسائر على الإصابات. فقد فقد المزارع علي عدن بورّو زوجته التي كانت في شهرها التاسع من الحمل، بعدما أصيبت بشظايا أثناء محاولتها جمع أطفالها والفرار من القتال، ما أدى إلى وفاتها ووفاة جنينها. واضطر الزوج لاحقا إلى التنقل بين القرى ومدينة كيسمايو بحثا عن العمل لإعالة أطفاله الثلاثة، بينما تراكمت عليه الديون في ظل محدودية المساعدات.
كما أصيبت زوجة المزارع نور علي نور إصابة بالغة خلال الفترة نفسها، وأصبحت غير قادرة على المشي، في حين أصيبت طفلتهما الرضيعة بجروح طفيفة. ويواجه الزوج صعوبات مالية تحول دون نقل زوجته إلى مرافق طبية أكثر تجهيزا، فضلا عن أعباء رعاية أطفالهما الخمسة.
أرقام النزوح والخسائر
وفقا لشبكة رصد تقودها مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، سُجلت 12 وفاة بين المدنيين خلال القتال والضربات الجوية في محيط جامامي بين 16 و18 نوفمبر 2025. كما وثقت الشبكة نزوح نحو 22,800 شخص من المدينة والقرى المحيطة بها خلال الفترة نفسها، ووصفت النزوح بأنه سريع وواسع النطاق.
غير أن تحديد الجهة المسؤولة عن كل حالة وفاة يظل معقدا، بسبب تداخل الضربات الجوية مع العمليات البرية التي شاركت فيها القوات الصومالية والإقليمية.
وتشير هذه المعطيات إلى أن آثار العمليات لا تنتهي بانتهاء القصف؛ فالأسر المتضررة تواجه فقدان المعيل، وتكاليف العلاج، وتدمير الممتلكات، وتعذر العودة إلى الأراضي الزراعية ومصادر الدخل، إلى جانب الأضرار النفسية التي تصيب الناجين والأطفال.
أفريكوم تنفي ثبوت مسؤوليتها
في المقابل، أقرت القيادة الأمريكية في إفريقيا بتنفيذ ضربتين في المنطقة يومي 14 و15 نوفمبر 2025، لكنها قالت إن تقييمها للادعاءات المتعلقة بمقتل ما بين 10 و12 مدنيا وتدمير منازل ومتاجر في جامامي لم يثبت، وفق معيارها، أن العمليات الأمريكية كانت السبب المرجح لهذه الأضرار.
وزعمت القيادة أن تقييمها استند إلى معلومات استخباراتية وتقارير عملياتية، لكنها لم تكشف الأدلة التي استندت إليها، ولم توضح ما إذا كان المحققون قد استمعوا مباشرة إلى الناجين وأسر الضحايا والعاملين في المستشفيات أو الشهود المحليين. وأكدت إمكانية إعادة فتح التقييم إذا ظهرت معلومات جديدة.
ولا يعني هذا الاستنتاج أن الأضرار لم تقع، بل يعني أن التحقيق الأمريكي لم يعتبر الأدلة المتاحة كافية لنسبتها إلى العمليات الأمريكية على حد زعمه. وفي المقابل، تقدم شهادات السكان وتقارير الرصد المستقلة روايات عن سقوط ضحايا ونزوح واسع،
وتشير الجزيرة إلى أن أفريكوم سبق أن عدّلت نتائج تقييمات تتعلق بخسائر مدنية في الصومال، واعترفت في حالات بوقوع ضحايا مدنيين بعد أن كانت قد أعلنت في البداية عدم تضرر مدنيين.
حملة عسكرية تتوسع في عهد ترامب
تعود الضربات الأمريكية في الصومال إلى عام 2007، لكنها توسعت لاحقا لتصبح جزءا من الدعم العسكري المستمر للقوات الصومالية في حربها ضد حركة الشباب، قبل أن تشمل أيضا مواقع الجماعة المرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية في شمال البلاد.
وبحسب خبراء استشهدت بهم الجزيرة، اقترب عدد الضربات خلال الولاية الرئاسية الثانية لترامب من إجمالي الضربات المنفذة خلال ولايته الأولى، وبمعدل يقارب أربعة أضعاف المعدل المسجل في عهد الرئيس السابق جو بايدن.
ويرتبط هذا التصاعد، جزئيا، بتخفيف القيود على صلاحيات الموافقة على الضربات، إذ أعادت إدارة ترامب قدرا أكبر من سلطة اتخاذ القرار إلى القادة العسكريين، بما يسمح بتسريع العمليات. وتقول واشنطن إن هذه المرونة ضرورية لمواجهة تهديد حركة الشباب وتنظيم الدولة الإسلامية، اللذين تعتبرهما خطرين على المصالح الأمريكية.
لكن توسيع العمليات يثير تساؤلات بشأن دقة تحديد الأهداف والضمانات المتخذة لحماية المدنيين، خصوصا عندما تشمل معايير الاستهداف أشخاصا تتهمهم القوات الأمريكية بتقديم دعم مادي للجماعات الجهادية، حتى إن لم يكونوا مشاركين مباشرة في القتال.
وتبرز هذه الإشكالية في حادثة وقعت قرب بوهودلي في شمال الصومال في سبتمبر 2025، عندما استهدفت ضربة أمريكية عمر عبد الله، وهو أحد وجهاء العشائر كان يسافر ضمن موكب. ووصفت أفريكوم الرجل لاحقا بأنه تاجر أسلحة لحركة الشباب، بينما قالت إدارة التحقيقات الجنائية في بونتلاند إنه لم يكن لديه سجل جنائي ولم يكن خاضعا للتحقيق. كما تساءل وزير الدفاع الصومالي أحمد معلم فقيه أمام البرلمان عن سبب استهدافه بدلا من استجوابه.
مفارقة الحرب على الإرهاب
لا تنحصر تداعيات الضربات في الخسائر المباشرة، بل تمتد إلى البيئة الأمنية والسياسية التي تجري فيها الحرب. فقد حذر مسؤول صومالي في مجال الأمن القومي من أن الأضرار المدنية الناتجة عن الضربات قد تولد مشاعر الغضب والاستياء، بما يمكن أن تستغله حركة الشباب المجاهدين والجماعة المرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية في الدعاية والتجنيد.
وتتيح القوانين الأمريكية ما يصل إلى ثلاثة ملايين دولار سنويا لمدفوعات تقديرية للأشخاص الذين يتعرضون للقتل أو الإصابة، أو تتضرر ممتلكاتهم خلال العمليات العسكرية الأمريكية أو عمليات التحالف. إلا أن صرف هذه المدفوعات يخضع لاعتبارات متعددة، من بينها تقييم الحوادث ومشورة الحكومة المضيفة والمخاطر المرتبطة بتوزيع الأموال. ولم يسبق أن قدمت الحكومة الأمريكية تعويضات لضحايا قصوفاتها في الصومال، بل حتى أنها تتنصل عن مسؤوليتها فيها حتى بعد توثيقها من مؤسسات حقوقية.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه واشنطن أن ضرباتها ضرورية لإضعاف الجماعات الجهادية، تكشف قصص الأسر الصومالية عن فجوة بين الأهداف العسكرية المعلنة والتبعات التي يتحملها السكان. فالأم التي ترافق طفلها إلى المدرسة خوفا من تفاقم إصابته، والمزارع الذي فقد زوجته وجنينها، والأسرة التي تعجز عن تحمل تكاليف العلاج، جميعهم يواجهون آثارا قد تستمر سنوات بعد انتهاء العمليات.
وتبقى القضية الأساسية هي كيفية محاسبة قوى تملك القوة الجوية ولا تخضع للمساءلة أو المحاكمة على سفك دماء الأبرياء، ولا شك أن استمرار إهمال حقوق الضحايا يعمق فقدان الثقة ويمنح حركة الشباب المجاهدين المزيد من المصداقية ويجعلها الطرف الوحيد في الصومال الذي يُنصف ضحايا الإرهاب الغربي بإصرارها على طرد التحالف الدولي وإقامة نظام الشريعة الإسلامية الشامل والمستقل.