تصاعد الغضب من الدور التركي في الصومال: من جوبا لاند إلى جنوب غرب البلاد
تتزايد في أجزاء من الصومال مؤشرات الرفض الشعبي والسياسي للتدخلات الأجنبية في الشأنين الأمني والسياسي، في وقت تشهد فيه البلاد توترات متصاعدة بين الحكومة الفيدرالية وعدد من الولايات، أبرزها جوبا لاند وجنوب غرب الصومال.
وفي أحدث مظاهر هذا التوتر، خرج مئات المتظاهرين في مدينة كيسمايو، العاصمة المؤقتة لجوبا لاند، للاحتجاج على الدور التركي في الصومال، عقب حادثة أمنية مثيرة للجدل وقعت في منطقة دولو بإقليم غيدو. وبحسب الصحافة المحلية، اتهم متظاهرون تركيا بالتورط في غارة جوية يُزعم أنها استهدفت القائد العسكري الصومالي الجنرال مهاد عبد الرحمن عدن، المعروف باسم الجنرال شوب. إلا أن الحكومة الفيدرالية نفت وقوع غارة جوية في الموقع المذكور، فيما لم تؤكد تركيا رسميًا تورطها في الحادثة.
ورفع المحتجون شعارات مناهضة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فيما أُحرقت أعلام تركية خلال الاحتجاجات، وظهرت لافتات تحمل عبارات من بينها: «لا نحتاج أردوغان». كما امتدت الاحتجاجات إلى أفمادو في جوبا السفلى، حيث أفادت الصحيفة بتجمع أكثر من ألف شخص للتنديد بما وصفوه بالتدخل الأجنبي في الشؤون الصومالية.
ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة بالنظر إلى أن تركيا كانت لسنوات واحدة من أبرز الشركاء الدوليين للصومال، خصوصًا في مجالات التدريب العسكري والتعاون الدفاعي والاقتصاد والأمن البحري. ولذلك فإن انتقال الانتقادات من المستوى السياسي إلى الشارع يمثل تحولًا لافتًا في صورة أنقرة لدى بعض قطاعات المجتمع، ولا سيما في المناطق التي تشهد صراعًا سياسيًا مع الحكومة المركزية.
السيادة في مواجهة النفوذ الخارجي
ولا يقتصر خطاب رفض التدخل الأجنبي على جوبا لاند؛ إذ برز خطاب مشابه في جنوب غرب الصومال، حيث أكد أوغاس حسن عبدي محمد، المتحدث باسم الرئيس السابق لولاية جنوب غرب الصومال عبد العزيز حسن محمد لفتاغرين، أن القوات والطائرات والمعدات العسكرية الأجنبية لا يمكنها أن تحدد مستقبل المنطقة السياسي.
وقال حسن إن أبناء جنوب غرب الصومال هم من يقررون مصير أرضهم ومستقبلها، مشددًا على أن إدخال الطائرات والمركبات العسكرية الأجنبية لن يغير حقيقة أن القرار السياسي النهائي يجب أن يبقى بيد السكان المحليين.
وتأتي هذه التصريحات في ظل استمرار التوترات السياسية والأمنية حول مدينة بيدوا، مع انقسام الأطراف المتنافسة بشأن إدارة الولاية والترتيبات الأمنية ومستقبلها السياسي. كما دعا المسؤول السكان إلى البقاء في حالة يقظة ووحدة مع استمرار التصعيد.
أزمة أوسع من تركيا
وتكشف التطورات الأخيرة أن القضية لا تتعلق بتركيا وحدها، بل تعكس أزمة أوسع حول حدود النفوذ الخارجي في السياسة والأمن الصوماليين.
ففي الوقت الذي تعتمد فيه الحكومة الفيدرالية على الشراكات الدولية لتعزيز قدراتها العسكرية والأمنية، ترى قوى سياسية ومحلية منافسة أن استخدام الدعم الخارجي، وخصوصًا العسكري، قد يتحول من وسيلة لمواجهة التهديدات الأمنية إلى أداة تؤثر في موازين القوى السياسية الداخلية.
وتزداد حساسية الملف في ظل الصراع المستمر بين مقديشو وبعض الولايات الفيدرالية حول الصلاحيات السياسية والأمنية، إضافة إلى الخلافات بشأن الانتخابات وترتيبات الحكم ومستقبل النظام الفيدرالي.
وتشير تقارير سابقة إلى أن تركيا وسّعت خلال السنوات الأخيرة حضورها العسكري والسياسي في الصومال، الأمر الذي جعل دورها محل نقاش متزايد داخل الساحة السياسية الصومالية. كما رفضت بونتلاند وجوبا لاند في يوليو الماضي المشاركة في اجتماعات استضافتها تركيا في مقديشو، مع إثارة مخاوف بشأن حياد أنقرة في الخلافات السياسية الصومالية.
من الشريك إلى طرف في الصراع؟
المعضلة الأساسية التي تواجه تركيا اليوم هي أن صورتها في الصومال قد تتأثر إذا أصبح يُنظر إليها باعتبارها طرفًا في الصراعات الداخلية، بدلًا من كونها شريكًا خارجيًا داعمًا للدولة الصومالية.
فاحتجاجات كيسمايو، والتصريحات الصادرة من جنوب غرب الصومال، تتقاطع عند نقطة واحدة: رفض أن تتحول القوة الخارجية إلى عامل يحدد مستقبل المناطق الصومالية أو يفرض مسارًا سياسيًا على السكان المحليين.
وهنا تكمن خطورة المرحلة الحالية. فالصومال لا يواجه فقط تحدي بناء مؤسسات أمنية قادرة على مكافحة الجماعات المسلحة، بل يواجه أيضًا اختبارًا أصعب يتعلق بكيفية إدارة علاقاته مع القوى الخارجية دون أن تتحول هذه العلاقات إلى مصدر جديد للاستقطاب الداخلي.
صراع على القرار الصومالي
ما يجري في جوبا لاند وجنوب غرب الصومال يعكس في جوهره معركة أوسع على سؤال أساسي: من يملك القرار السياسي والأمني في الصومال؟
فبينما تتمسك الحكومة الفيدرالية بحقها في إدارة شؤون الدولة وتعزيز مؤسساتها الأمنية، تصر الإدارات الإقليمية والقوى السياسية المعارضة على أن الصلاحيات المحلية ومستقبل الولايات لا يمكن أن يحددهما المركز أو القوى الأجنبية.
ومع تصاعد التوتر في بيدوا وكيسمايو، تبدو مسألة السيادة أكثر حضورًا في الخطاب السياسي والشعبي الصومالي. وإذا استمر ربط التدخلات الخارجية بالصراعات الداخلية، فقد تجد تركيا نفسها أمام تحدٍ دبلوماسي متزايد للحفاظ على نفوذها وشراكتها مع الصومال دون أن تتحول إلى جزء من الانقسامات السياسية التي تعصف بالبلاد.
وفي النهاية، فإن الرسالة التي تتكرر في احتجاجات جوبا لاند وتصريحات جنوب غرب الصومال واضحة: المجتمع الصومالي يريد أن يكون صاحب الكلمة الأخيرة في تحديد مستقبل بلاده، مهما كانت طبيعة الدعم أو النفوذ الذي تقدمه القوى الخارجية.