تصريحات بيت هيغسيث والدوافع الأيديولوجية الصليبية
يشغل بيت هيغسيث، منصب وزير الحرب في الإدارة الأمريكية الحالية، ولا تزال تصدر عنه تصريحات تسلط الضوء على موقع الأيديولوجيا في تفكير الذراع اليمنى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وكان منها آخر تصريح له خلال “الإفطار الوطني للصلاة” الذي عُقد في واشنطن في فبراير 2026. حيث أثارت تصريحات هيغسيث جدلاً واسعاً، خاصة تلك التي ربطت الهوية الأمريكية بالمسيحية والعقيدة العسكرية.
ومن اللافت للنظر أنها ليست تصريحات نادرة، بل هناك تصريحات مماثلة لشخصيات سياسية أمريكية أخرى تعكس تيار “المسيحية القومية” المتصاعد.
خطاب بيت هيغسيث في الإفطار الوطني للصلاة
خلال خطابه في الإفطار الوطني للصلاة، قدم بيت هيغسيث رؤية مثيرة للجدل حول العلاقة بين الإيمان المسيحي والهوية الوطنية الأمريكية والدور العسكري للولايات المتحدة. وقد تضمنت أبرز نقاط خطابه ما يلي:
- الهوية المسيحية لأمريكا: أكد هيغسيث أن “أمريكا تأسست كأمة مسيحية، وهي في حمضنا النووي”، مشدداً على أن هذه الهوية يجب أن تُصان.
- المسيح كـ “مغير للأوضاع”: وصف هيغسيث المسيح بأنه “لم يُرسل ليكون دبلوماسياً، بل ليفصل بين الحق والكذب، والخير والشر”، في إشارة إلى دور حاسم وغير تفاوضي للإيمان.
- الجيش الأمريكي والمعركة الروحية: ربط هيغسيث العقيدة العسكرية الأمريكية بالإيمان، مشيراً إلى أن “المحاربين الأمريكيين ليسوا مدعوين لإرضاء العالم بل لمواجهته في معركة روحية متجذرة”. كما أعلن عن تأسيس خدمة صلاة شهرية في البنتاغون كشكل من أشكال “الاستعداد الروحي”.
- الخلاص والتضحية: أثار هيغسيث جدلاً لاهوتياً بتصريحه بأن “المحارب الذي يضحي بحياته من أجل وحدته وبلده وخالقه يجد الحياة الأبدية”، وهو ما اعتبره بعض النقاد مخالفاً للعقيدة الإنجيلية الأساسية التي تؤكد على الخلاص بالإيمان وحده.
تصريحات دونالد ترامب في نفس المناسبة
شارك الرئيس السابق دونالد ترامب أيضاً في الإفطار الوطني للصلاة، وألقى خطاباً مطولاً تجاوز وقته المحدد بكثير. وقد تضمنت تصريحاته نقاطاً تعكس توجهات مشابهة لخطاب هيغسيث، مع التركيز على دوره في دعم الدين:
- الدفاع عن الدين: صرح ترامب بأنه “فعل للدين أكثر من أي رئيس آخر”.
- انتقاد الديمقراطيين: أعرب عن اعتقاده بأنه “لا يعرف كيف يمكن لشخص مؤمن أن يصوت للديمقراطيين”.
- إعادة تكريس أمريكا: أعلن ترامب عن خطط لعقد فعالية في 17 مايو “لإعادة تكريس أمريكا كأمة واحدة تحت ظل الله”.
تصريحات مماثلة وظاهرة المسيحية القومية
تأتي تصريحات هيغسيث وترامب في سياق تصاعد ظاهرة “المسيحية القومية” في الولايات المتحدة، وهي حركة سياسية وثقافية تربط الهوية الأمريكية بالمسيحية وتدعو إلى دمج المبادئ المسيحية في الحكم والقوانين. وقد عبرت شخصيات سياسية أخرى عن آراء مماثلة:
- مايك جونسون: رئيس مجلس النواب الحالي، معروف بتصريحاته التي تؤكد على أن أمريكا أمة مسيحية، وقد رفع علم “النداء إلى السماء” الذي يرتبط بحركات مسيحية قومية.
- مارجوري تايلور غرين: عضوة الكونغرس، صرحت علانية بأن الحزب الجمهوري يجب أن يكون “حزب المسيحية القومية”.
- دوغ ويلسون: قس مؤثر يرتبط بهيغسيث، يدعو صراحة إلى “الثيوقراطية” (حكم ديني) ويرى أن الولايات المتحدة يجب أن تعود بالكامل إلى جذورها المسيحية.
تعكس هذه التصريحات اتجاهاً نحو دمج الإيمان والعسكرة، حيث يُنظر إلى الجيش الأمريكي كأداة في “معركة روحية”، وتُقدم العقيدة المسيحية كركيزة أساسية للهوية الوطنية والسياسة الخارجية.
ردود الفعل والتحليلات
أثارت تصريحات هيغسيث والخطاب العام للمسيحية القومية ردود فعل متباينة وانتقادات واسعة:
- انتقادات لاهوتية: أشار محللون مثل براين كايلور إلى أن خطاب هيغسيث يشبه “خطابات الحروب الصليبية”، وأن ربط الخلاص بالتضحية العسكرية يتعارض مع المبادئ اللاهوتية الإنجيلية التي تركز على الخلاص بالإيمان.
- انتهاك فصل الدين عن الدولة: انتقدت جماعات علمانية، مثل الجمعية الإنسانية الأمريكية، هذه التصريحات باعتبارها انتهاكاً لمبدأ فصل الدين عن الدولة، ومحاولة لفرض رؤية دينية معينة على المؤسسات الحكومية والعسكرية.
- التوقيت والسخرية: تزامن خطاب هيغسيث مع الكشف عن وثائق إبستين، مما أثار سخرية وتساؤلات حول “الإيمان المفاجئ” لبعض النخب الأمريكية وتناقضه مع أفعالهم.
الخلاصة
تُظهر تصريحات بيت هيغسيث ودونالد ترامب، بالإضافة إلى آراء شخصيات سياسية أخرى، تزايد نفوذ تيار المسيحية القومية في الخطاب السياسي الأمريكي. هذا التيار يسعى إلى إعادة تعريف الهوية الأمريكية على أسس دينية مسيحية، ويدمج الإيمان بالعقيدة العسكرية والسياسة. وقد أدت هذه التصريحات إلى جدل واسع حول فصل الدين عن الدولة، والتفسيرات اللاهوتية، وتأثيرها المحتمل على السياسة الداخلية والخارجية للولايات المتحدة التي أظهرت الصورة الصليبية الصريحة لها.
ساجد العمري