تصعيد إسرائيلي واسع في لبنان رغم “وقف إطلاق النار” وتحذيرات من أزمة داخل الجيش
شهدت الجبهة اللبنانية تصعيدًا عسكريًا غير مسبوق خلال الأيام الأخيرة، رغم سريان ما يوصف باتفاق وقف إطلاق النار بين الاحتلال الإسرائيلي ولبنان، في وقت حذرت فيه الأمم المتحدة ومسؤولون إسرائيليون من تداعيات خطيرة قد تدفع المنطقة نحو مواجهة أوسع وتفاقم أزمة الجيش الإسرائيلي نفسه.
وأعلنت قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “يونيفيل” أنها رصدت 1296 مسارًا لمقذوفات إسرائيلية خلال 72 ساعة فقط، فيما سُجل أكثر من 100 غارة وضربة خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة وحدها. وأسفرت الهجمات الإسرائيلية خلال عطلة نهاية الأسبوع عن مقتل ما لا يقل عن 87 شخصًا، وفق تقارير ميدانية.
كما أكدت “يونيفيل” أن القوات الإسرائيلية تواصل بشكل شبه يومي منع تحركات دوريات حفظ السلام داخل مناطق الجنوب اللبناني، في انتهاك متكرر لحرية حركة القوات الدولية المكلفة بمراقبة الوضع الأمني.
وبحسب إحصاءات مراقبين للحرب، فقد نفذت قوات الاحتلال الإسرائيلي نحو 3688 ضربة داخل لبنان منذ بداية الهجوم وحتى مطلع مايو، بينما استمرت وتيرة القصف خلال فترة “التهدئة” الحالية بمستويات قريبة من معدلات الحرب نفسها، ما يعكس هشاشة اتفاق وقف إطلاق النار وعدم التزام الأطراف به فعليًا.
وتشير بيانات وزارة الصحة اللبنانية إلى أن حصيلة الحرب ارتفعت إلى 2869 قتيلًا و8730 جريحًا، إضافة إلى نزوح ما بين 20 و25 بالمئة من سكان لبنان بسبب العمليات العسكرية المستمرة.
في المقابل، يضغط المسؤولون اللبنانيون على الولايات المتحدة، التي رعت اتفاق التهدئة، من أجل التدخل لإلزام الاحتلال بوقف هجماته، غير أن المؤشرات الحالية لا توحي بوجود ضغوط أمريكية جدية على تل أبيب. ويبرر الاحتلال الإسرائيلي عملياته بأنها رد على “انتهاكات” من جانب حزب الله، رغم أن الحزب لم يكن طرفًا مباشرًا في الاتفاق المبرم، وأكد منذ البداية أنه لن يلتزم بأي تهدئة لا تتضمن انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية.
وفي خضم هذا التصعيد، كشفت وسائل إعلام إسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي يستعد لتوسيع عمليته البرية في جنوب لبنان، بانتظار قرار سياسي من الحكومة. وذكرت القناة 12 الإسرائيلية أن التحضيرات العسكرية تتسارع على الأرض، بينما تواصل تل أبيب اتهام حزب الله بخرق وقف إطلاق النار.
لكن هذه التحركات تأتي في وقت يواجه فيه الجيش الإسرائيلي أزمة متفاقمة في أعداد الجنود. فقد حذر رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير خلال جلسة مغلقة في الكنيست من أن الجيش بحاجة “فورية” إلى المزيد من القوات، مؤكدًا أن قوات الاحتياط “تقترب من الانهيار” بسبب الضغط المستمر الناتج عن الحرب متعددة الجبهات.
وقال زامير إن استمرار الوضع الحالي سيجعل جنود الاحتياط غير قادرين على تحمل الأعباء في السنوات المقبلة، مشيرًا إلى أنه سبق أن رفع “10 إشارات حمراء” للتحذير من خطر انهيار الجيش من الداخل إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة.
وتتزامن الأزمة مع استمرار الخلاف السياسي داخل الاحتلال بشأن تجنيد اليهود المتشددين “الحريديم”، الذين ظلوا لعقود معفيين من الخدمة العسكرية، في حين تطالب المعارضة بفرض التجنيد عليهم لتخفيف الضغط عن قوات الاحتياط.
ميدانيًا، تواصل قوات الاحتلال توسيع وجودها العسكري داخل جنوب لبنان، حيث سيطرت منذ مارس الماضي على عشرات القرى وأقامت منطقة عازلة تشبه “الحزام الأمني” أطلقت عليها اسم “خط الدفاع الأمامي”. وفي المقابل، يركز حزب الله هجماته على القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية المحتلة، مستخدمًا بشكل متزايد طائرات “FPV” المسيّرة الانتحارية التي سببت خسائر ملحوظة للجيش الإسرائيلي.
وكشفت إذاعة جيش الاحتلال الإسرائيلي أن المؤسسة العسكرية تجاهلت سابقًا التحذيرات المتعلقة بخطورة هذه المسيّرات، ولم تبدأ باتخاذ تدابير فعالة للتعامل معها إلا بعد ارتفاع الخسائر البشرية في صفوف الجنود هذا العام.
وفي أحدث العمليات، أعلن حزب الله استهداف بطارية “القبة الحديدية” عبر طائرة مسيّرة متفجرة، قبل مهاجمة القوة العسكرية التي وصلت لاستبدال الطاقم المتضرر، في مؤشر على استمرار التصعيد الميداني رغم كل الحديث عن التهدئة.