ثلاث سنوات من الصمت والحرب: شهادة صحفي سوداني تكشف فظائع الفاشر ومعاناة بلد يتفكك
بعد ثلاث سنوات من الصمت القسري، انفجرت ذاكرة الصحفي السوداني محمد سليمان دفعة واحدة، حين عاد هاتفه للعمل أخيرًا، محمّلًا بآلاف الرسائل التي تلخص مأساة حرب لم تتوقف، وتكشف حجم الانهيار الإنساني في السودان.
في 13 يناير 2026، دخل سليمان إلى أحد مكاتب الاتصالات في بورتسودان، وما إن أدخل شريحة هاتفه حتى انهار باكيًا. لم يكن قد سمع رنين هاتفه طوال سنوات الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وقطعت عنه العالم في مدينة الفاشر غرب البلاد.
يقول سليمان إن هاتفه امتلأ برسائل تسأل عنه، وأخرى تنقل أخبار وفاة أصدقاء وزملاء، بل إن بعضهم كان يعتقد أنه قُتل. “كان صمت الهاتف قاتلًا بقدر العنف”، يقول، في إشارة إلى العزلة التي عاشها تحت الحصار.
حصار طويل ومشاهد لا تُحتمل
عاش الصحفي السوداني في مدينة الفاشر، معقل الصراع في إقليم دارفور، تحت حصار خانق استمر نحو 18 شهرًا فرضته قوات الدعم السريع، وسط انقطاع شبه كامل للاتصالات والكهرباء.
ويصف ما شهده هناك بأنه “مشهد يوم القيامة على الأرض”، خاصة بعد سقوط المدينة في أكتوبر الماضي، حيث تحولت الحياة اليومية إلى صراع من أجل البقاء.
يقول: “رأينا أطفالًا موتى في الشوارع، ونساءً يصرخن من الجوع والعطش، غير قادرات حتى على حمل أطفالهن”.
ويضيف أن كثيرًا من الجرحى تُركوا على الطرقات دون إسعاف، لعدم توفر الغذاء أو الماء أو حتى وسائل الاتصال لطلب المساعدة.
حرب بلا شهود
لم يكن القصف الجوي والطائرات المسيّرة وحدها ما يهدد السكان، بل أيضًا غياب القدرة على نقل الحقيقة.
ففي ظل انقطاع الاتصالات، أصبح توثيق ما يجري شبه مستحيل، بينما واجه الصحفيون مخاطر مزدوجة من طرفي الصراع.
يوضح سليمان أن استخدام الإنترنت عبر أجهزة الأقمار الصناعية كان محفوفًا بالمخاطر: قوات الدعم السريع قد تتهم المستخدمين بالتجسس والجيش قد يعتبرهم “موجهين للقصف”
هذا الواقع جعل نقل الأخبار “جريمة قد تكلف الحياة”، على حد وصفه.
بلد يتفكك وأزمة إنسانية غير مسبوقة
مع دخول الحرب عامها الرابع، يبدو السودان مقسمًا فعليًا بين مناطق يسيطر عليها الجيش وأخرى تحت سيطرة قوات الدعم السريع، فيما نزح الملايين داخل البلاد وخارجها.
وتُعد الأزمة الحالية من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث يعاني المدنيون من نقص حاد في الغذاء والدواء، وسط إعلان حالات مجاعة في بعض المناطق.
ورغم الجهود الدولية، لم يتم تمويل سوى جزء محدود من الاحتياجات الإنسانية، فيما فشلت المبادرات السياسية في وقف القتال.
رحلة نجاة طويلة
تمكن سليمان من الفرار بعد رحلة استمرت أكثر من شهرين عبر تشاد، قبل أن يصل إلى بورتسودان، حيث سجد شكرًا عند وصوله، غير مصدق نجاته.
لكن حتى بعد وصوله، واجه معاناة جديدة، إذ فقد جميع أوراقه الثبوتية، واضطر لقضاء أسابيع في إجراءات بيروقراطية لاستعادتها.
فقدان الثقة في العالم
يعبر سليمان عن شعور عميق بالخذلان، قائلاً: “لا يوجد قانون دولي… لا توجد منظمات حقوق إنسان. لو كانت موجودة، لما مات الناس جوعًا وقصفًا كل يوم”.
ويرى أن المجتمع الدولي فشل في حماية المدنيين أو وقف الحرب، رغم المبادرات التي لم تحقق أي تقدم يُذكر.
رواية الألم كمسؤولية
ورغم كل ما مر به، يقول سليمان إن نقل هذه الشهادات أصبح واجبًا: “هناك أحداث لن يرويها أحد… وستبقى في ذاكرتنا حتى نموت”.
في بلد تمزقه الحرب، تبدو الشهادات الفردية مثل هذه محاولة أخيرة لحفظ الحقيقة، في وقت تتراجع فيه القدرة على توثيق ما يجري على الأرض.
تكشف قصة محمد سليمان جانبًا من معاناة ملايين السودانيين، حيث لا تقتصر الحرب على القتال، بل تمتد إلى العزلة، والجوع، وفقدان الهوية.
ومع استمرار الصراع دون أفق للحل، يبقى السؤال: كم من القصص المشابهة لم تُروَ بعد؟
بي بي سي بتصرف.