رحلتي الأولى إلى الولايات الإسلامية في الصومال .. مشاهدات وانطباعات وشهادة من الواقع

في مطلع عام 2024، عقدت العزم على تحقيق حلم راودني طويلًا، وهو زيارة بعض المناطق التي تسيطر عليها حركة الشباب المجاهدين وتُدار وفق الشريعة الإسلامية، وعلى وجه الخصوص مدينة جلب، أشهر مدن تلك الولايات.

وفي إحدى الأمسيات بعد صلاة العصر، انطلقنا من مدينة مقديشو، وكنت قد رجعت للتو من خارج البلاد لتحقيق ذلك الحلم الذي طال انتظاره. وبينما كنا نغادر المدينة ونجتاز أطرافها، قال لنا السائق: “لقد أقبل الليل، ولا يمكننا مغادرة هذه المنطقة الآن، فلنمضِ الليلة هنا، ونواصل رحلتنا بعد صلاة الفجر”.

وافقنا على اقتراح السائق، فاصطحبنا إلى المنزل الذي يقيم فيه، حيث استضافنا تلك الليلة أكرم ضيافة، على النحو الذي اشتهر به كرم الضيافة لدى الصوماليين. وقدّم لنا عشاءً طيبًا، وجلسنا بعد ذلك نتبادل أطراف الحديث.

كان السائق مدخنًا، إلا أنه، ومن خلال الأسئلة القليلة التي وجهتها إليه، بدا شديد الإعجاب بنظام حركة الشباب المجاهدين. ومن بين ما قاله لي: “لو سيطرت الحركة على البلاد، لعشنا وعملنا في ظروف أفضل، لكن هذه العصابات التي تدّعي أنها حكومة هي التي أرهقتنا”. وكان كلامه يجد ما يؤيده في الواقع؛ إذ إننا، ونحن في طريقنا إلى مغادرة المدينة، مررنا بمديرية أفجوي وحدها بما يقارب خمس نقاط تفتيش، وكان على السائق أن يدفع مبلغًا لكل واحدة منها.

وبعد أن تجاوزنا أفجوي، وصلنا إلى مكان يجلس فيه مقاتلون من حركة الشباب المجاهدين، وأظن أنهما من العاملين في قسم المالية. وما إن تجاوزناهم حتى قال السائق فجأة: “الحمد لله، الآن يمكنكم أن تطمئنوا، فقد دخلنا الأراضي الآمنة”. وكان يقصد بذلك أننا أصبحنا داخل الأراضي التي يديرها المجاهدون. وقبل الوصول إلى المنطقة التي تديرها الحركة، كان الناس يخشون أن تعترضهم عصابات اللصوص على الطريق، غير أن الله سبحانه وتعالى سلّمنا وحفظنا من ذلك.

ومع استئناف رحلتنا الهادئة، كانت مخيلتي ترسم صورًا كثيرة. وكلما رأيت رايةً مرفوعة أو التقيت بالمجاهدين في إحدى النقاط، غمرتني مشاعر الفرح. وبعد رحلة طويلة، وصلنا ليلًا إلى منطقة تُسمى “علي فرحان”، وقد أخبرني الناس أنها منطقة للتفتيش، نظرًا لأنها تقع على الطريق المؤدي إلى مدينة جلب. وهناك قضينا تلك الليلة.

وفي صباح اليوم التالي، أخذ المجاهدون يستدعوننا واحدًا تلو الآخر، ويسألوننا عن المكان الذي قدمنا منه، والوجهة التي نقصدها، والغاية من سفرنا، ومن الشخص الذي ينتظرنا هناك. وبعد أن أنهوا إجراءاتهم، واصلنا السير، وفي وقت الظهيرة وطئت قدماي مدينة جلب.

يا الله… في ذلك اليوم اغرورقت عيناي بالدموع، وما إن دخلت المدينة حتى وقعت عيناي على شعار كُتب عليه: “الجنة تحت ظلال السيوف”.

ثم واصلنا السير، وهناك التقيت بالشخص الذي كان في استقبالي، واصطحبني إلى المنزل الذي خُصص لإقامتي. وفي ذلك المساء لم أخرج من المنزل، فقد كنت مرهقًا من عناء السفر، فخلدت إلى النوم. وكانت تلك أول مرة في حياتي أنام فيها مباشرة بعد صلاة العشاء.

وفي اليوم التالي قلت في نفسي: دعني أتجول في المدينة وأتعرف إليها. فزرت عددًا من الأماكن، من بينها الجسر، ومصلى المعلم آدم حاشي عيرو، إلى جانب مواقع أخرى.

ومن أكثر الأمور التي أثارت إعجابي أن الشوارع تحمل أسماءً تُعرف بها، فكنت ترى، على سبيل المثال، شارع حنين، وشارع قباء، وشارع المهاجرين.

كما زرت المدارس والمكاتب التابعة للولاية، وحرصت بصورة خاصة على زيارة مكتبة تضم مجموعة متكاملة من الكتب، وتحمل اسم الشهيد الداعية أنور العولقي. وكانت تلك المكتبة مفتوحة لكل من يرغب في المطالعة، حيث يستطيع الذهاب إليها والاطلاع على الكتب بحرية، بل قيل لي إنه يمكنني استعارة الكتاب إلى الحي الذي أقيم فيه، ثم إعادته بعد الانتهاء من قراءته.

ومن الأمور الأخرى التي تبعث النور والطمأنينة في قلب الإنسان، أنك إذا رُفع الأذان في تلك المدينة الكبيرة، فلن تجد متجرًا واحدًا مفتوحًا، ولا دراجة نارية أو سيارة تسير في الطرقات، حتى يخيل إليك أن المدينة بأكملها قد خلت من سكانها. وفي المساجد ترى شبابًا صغار السن تبدو عليهم جميعًا مظاهر الالتزام بالسنة، وقد اعتمّوا بالعمائم.

وتمتلئ المساجد بالمصلين في جميع الصلوات، ولا ترى منكرًا يُجاهر به علنًا. ويقول العلماء إن الإدارة الإسلامية تبقى قائمة ما دامت تقوم بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

القصتان اللتان كان لهما أعظم الأثر في إسعادي أثناء وجودي في مدينة جلب

في أحد الأيام، وبعد خروجي من أحد المساجد، رأيت طفلًا بدا لي أن عمره لا يتجاوز ست سنوات. فتحدثت إليه وسألته: ماذا تتمنى أن تكون في المستقبل؟

فأجابني قائلًا: “أتمنى أن أصبح مجاهدًا، وأرغب على وجه الخصوص في الانضمام إلى كتيبة الاستشهاديين، وأن أنفذ عملية استشهادية، وأتمنى أن نحرر القدس…”.

والله لقد غمرتني السعادة في ذلك اليوم عندما رأيت ذلك الطموح الكبير الذي يحمله هذا الطفل الصغير. ففي زماننا هذا يوجد كثير من الكبار الذين لا يحملون طموحًا، أو أن طموحهم متدنٍ جدًا. أما الأطفال الذين ينشؤون في المدن الخاضعة للإدارات المناهضة لشرع الله، فلا يحملون مثل هذا الطموح ولا ما يقاربه.

وفي مناسبة أخرى، بينما كنت خارجًا من أحد الأحياء، رأيت عددًا من الأطفال يحملون الراية، وكان أحدهم يتقدمهم قائدًا، ويحملون بنادق مصنوعة من الخشب، ويرددون هتافات مثل: “قوة عزة نصر”، و”ما دام الكفار موجودين فلن يتعب المجاهد”… ولم يكن فيهم من بلغ العاشرة من عمره، ومع ذلك فإن ما يحملونه من طموح يثير الدهشة.

وكثيرًا ما كنت أتساءل: أننا نرى اليوم كيف تعرضت أجيال كثيرة في العالم للتأثير الفكري وغسل الأدمغة، فمن الذي سيملأ مكان هؤلاء الرجال الذين يخوضون هذا الكفاح؟

لكنني وجدت جواب هذا السؤال؛ وهو أن الجيل الذي ينشأ في الولايات الإسلامية هو الذي سيملأ ذلك الفراغ، بإذن الله تعالى. وأسأل الله أن ينشأ أبنائي في هذه الأرض التي تُحكم بشريعة الله، لأن الواقع الذي نعيشه يثبت أنه مهما بذل الوالدان من جهد في التربية، فإن البيئة تبقى صاحبة التأثير الأكبر، وقد تتغلب في أثرها على جهود الوالدين مع الأبناء.

ويُروى أنه عندما قرر الغربيون استطلاع أحوال دولة الخلافة في الأندلس والوقوف على مدى قوتها وضعفها، أرسلوا رجالًا كانوا يعدونهم من العلماء والمحللين. وعندما وصل هؤلاء إلى عاصمة الخلافة، رأوا مجموعة من الفتيان الصغار يتدربون على الرماية. وأثناء التدريب أخطأ أحدهم إصابة الهدف، فبدا عليه الغضب الشديد. ولما سُئل عن سبب غضبه، أجاب: “لقد نجا مني اليوم رجل كافر”.

فعاد أولئك وقالوا: إن دولةً يكون هذا هو مستوى الجيل الذي تنشئه لا يمكن التغلب عليها.

ولهذا أقول: إن حركةً ينشأ جيلها على هذا النحو لا يمكن التغلب عليها.

 

أوجه الأخوة الإيمانية التي رأيتها في مدينة جلب

عندما كنت في المدينة، فإن الشخص الذي أقمت عنده لم يكن قريبًا لي من جهة النسب أو القرابة، ولم يجمعنا حتى انتماء قبلي واحد، وإنما جمعنا مبدأ واحد، وكانت رابطة الأخوة بيننا هي ديننا، وهي الأخوة الحقيقية؛ إذ إن الأخوة الصادقة هي التي تقوم على الدين، فيتحاب الناس فيها لله، ويفترقون لله.

وطوال الأيام التي أقمت فيها، بالغ ذلك الأخ في إكرامي وحسن ضيافتي، رغم إدراكي لما كان يتحمله من أعباء. وقد لقيت هناك أيضًا عددًا من الإخوة المهاجرين القادمين من بلدان مختلفة، وجلست معهم وتحادثت إليهم، حتى ليخيَّل إلى الناظر أنهم إخوة من أسرة واحدة، لما بينهم من مودة وألفة، ولم يكن الذي جمعهم سوى الحرص على نصرة دين الله.

وتحدثت مع أحد الإخوة المهاجرين، وكان قد هاجر من تنزانيا، فأخبرني أن هناك فتيات هاجرن كذلك، وتركن أوطانهن حفاظًا على دينهن. ولم يكن لهن في ذلك المكان أخ أو والد أو قريب، لكنهن وجدن بين الإخوة من أصبح بالنسبة إليهن أعظم منزلة، بفضل رابطة الأخوة في دين الله.

ثم دعوني أشارككم قصة عجيبة رويت لي، ولم تغادر ذاكرتي.

قلت لأحد الإخوة يومًا: يا أخي، هل تستطيع أن تخبرني بأمر رأيته بنفسك خلال وجودك في ساحات القتال، وكان سببًا في زيادة يقينك بصحة هذا الطريق؟

فأجابني: “نعم. في إحدى المرات، كنا مجموعة من المقاتلين في منطقة برية، فتعرّضنا لقصف جوي عنيف. وكان ذلك في ليلة شديدة الظلام، لا يُرى فيها شيء، ولم يكن بإمكاننا تشغيل المصابيح، لأن الطائرة كانت لا تزال تحلق في السماء.

وقد قُتل منا نحو عشرين أخًا. وكان أكثر ما يقلقنا أن يطلع الصباح فتأتي الطائرات لتصوّر جثامينهم أو تحملها، أو أن نضطر إلى تركهم في مكانهم. قضينا الليل كله نبكي وندعو الله، ولم يكن أحدنا يستطيع الوصول إلى الآخر.

وبعد ساعات، رأينا فجأة نورًا يخرج من قدم أحد الإخوة الذين قُتلوا. فاطمأننا إلى أن الله جعل لنا ذلك النور لنتمكن من دفن إخواننا، فخرجنا جميعًا، وقد ألقى الله في قلوبنا السكينة، وخفَّ عنا الخوف.

والأمر العجيب أن ذلك النور لم يكن يظهر إلا في الموضع الذي كانت فيه جثامين الإخوة. فحفرنا حفرة كبيرة، ثم دفناهم واحدًا تلو الآخر، وكان آخر من دفناه الأخ الذي كان النور يخرج من قدمه. وما إن وضعناه في القبر حتى مرَّ أحد الإخوة بيده على قدمه، فانطفأ ذلك النور، الله أكبر”.

ثم أخبرني أنهم في تلك الليلة كانوا قد قطعوا مسافة طويلة سيرًا على الأقدام، وكانوا في غاية الإرهاق ويعانون من شدة الجوع، ومع ذلك صبروا على ما أصابهم.

وقال: “قال لنا أحد الإخوة: في يوم غزوة الخندق، عندما كان الصحابة يحفرون الخندق، اشتد بهم الجوع، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا إلى النبي ﷺ، فلعل الله أن يجعل عنده شيئًا من الطعام. فلما ذهبوا وجدوا رسول الله ﷺ وقد ربط على بطنه ثلاثة أحجار من شدة الجوع، ومع ذلك كان يشاركهم في الحفر”.

قال: “فبكينا جميعًا، واستمددنا القوة، ورددنا الكلمات نفسها التي كان الصحابة يرددونها يوم الخندق:

نحن الذين بايعوا محمدًا
على الجهاد ما بقينا أبدًا

وبعد أن دفنا الإخوة الذين قُتلوا، واصلنا مسيرنا حتى بلغنا وجهتنا”.

إن هذه القصة، بحق، من أكثر القصص التي سمعتها في الآونة الأخيرة إثارة للدهشة بالنسبة إلي.

وأسأل الله سبحانه وتعالى أن ينصر الإسلام، وأن يبقي هذا النور ساطعًا لا ينطفئ، وأن يخذل من اجتمعوا لإطفائه، وأن يعين كل من قام دفاعًا عن دينه.

والله ولي التوفيق.

عبد السلام علي (المهاجر).